Sadaonline

في قضية توقيف 16 شرطيًا في مونتريال: إعادة ملف التنميط العرقي إلى الواجهة

عبّرت بلدية مونتريال عن قلقها العميق إزاء هذه التطورات

دارين حوماني ـ مونتريال

في الأيام الأخيرة، شهدت مدينة مونتريال تطورًا قضائيًا وأمنيًا لافتًا، بعد إعلان شرطة مدينة مونتريال عن توقيف 16 عنصرًا من عناصرها عن العمل وإعادة توزيعهم على مهام إدارية، على خلفية تحقيقات تتعلق بسوء سلوك يتضمن عنصرية وتمييزًا داخل أحد مراكز الشرطة في منطقة شمال مونتريال Montreal Nord. وقد أثارت القضية جدلًا واسعًا على مستوى الرأي العام والسلطات المحلية، نظرًا لحساسية الاتهامات وطبيعتها الفضائحية الخطيرة.

وبحسب ما أعلنته الشرطة، فإن الإجراءات التأديبية شملت تعليق عمل عنصرين بشكل مباشر، بينما نُقل 14 ضابطًا آخر إلى وظائف أخرى إلى مهام لا تتطلب الاحتكاك المباشر مع المواطنين، ريثما تنتهي التحقيقات الداخلية الجارية. كما تم إحالة ملف واحد إلى النيابة العامة في كيبيك للمراجعة. وأكدت الإدارة أن هذه التدابير جاءت بعد جمع معلومات أولية "مقلقة" حول سلوكيات يُشتبه بأنها تنتهك قواعد الأخلاقيات المهنية وميثاق السلوك الشرطي داخل جهاز الشرطة.

  (فادي داغر- عن موقع شرطة مونتريال)

رئيس شرطة مدينة مونتريال، فادي داغر، أوضح خلال مؤتمر صحفي عُقد في وقت متأخر من ليلة الجمعة الفائت، عن إيقاف ضابطين من وحدة دوريات شمال مونتريال عن العمل، وأن التحقيق بدأ منذ أشهر بعد تلقي معلومات داخلية من موظفين في الجهاز نفسه، تشير إلى ممارسات غير مقبولة داخل وحدة ميدانية في Montreal Nord. وأضاف أن بعض الادّعاءات تتعلق بسلوكيات يُشتبه بأنها تمسّ مجموعات من المواطنين، خصوصًا من ذوي البشرة السوداء ومن أصول عربية، وهو ما استدعى فتح تحقيق داخلي عاجل وتحويل بعض الملفات إلى جهات قضائية مختصة.

وقال داغر: "تؤكد شرطة مونتريال مجددًا أن العنصرية والتمييز وأي سلوك غير مقبول آخر غير متسامح معه داخل المنظمة". وأشاد بالضباط الذين تقدموا بمعلومات أدت إلى بدء التحقيق، قائلًا: "رغم أن هذا الوضع مقلق للغاية، إلا أن شرطة مونتريال تُشيد بشجاعة ضباط الشرطة الذين أبلغوا عن الوقائع، وكذلك أولئك الذين أجروا التحقيق".

وقد تضمنت السلوكيات السيئة التي قام بها عناصر الشرطة قطع شعر الرجال الموقوفين (المعروفة باسم الضفائر الأفريقية) واحتفظوا بها كتذكارات، وفقًا لتقارير نشرتها صحيفة "لا بريس" وإذاعة "راديو كندا". كما أفادت "راديو كندا" أيضًا بأنه تم تحرير مخالفات مرورية لمواطنين لمجرد انتمائهم العرقي.

وفي وقت سابق من يوم الاثنين، أعلن وزير الأمن الداخلي في كيبيك، إيان لافرينيير، عن تعيين مراقب مستقل لمتابعة تحقيق شرطة مونتريال في قضية مجموعة الضباط المتهمين بالتنميط العنصري والتمييز.

من جانبها، عبّرت بلدية مونتريال عن قلقها العميق إزاء هذه التطورات. وقالت عمدة مونتريال سورايا مارتينيز خلال مؤتمر صحفي عُقد يوم السبت الفائت إن الاتهامات، في حال ثبوتها، تمثل "أمرًا خطيرًا ومقلقًا للغاية" من شأنه أن يؤثر على ثقة المواطنين في جهاز الشرطة. كما دعت إلى تعزيز الشفافية، قائلة "تواصلتُ فورًا مع وزير الأمن الداخلي، واتفقنا على العمل معًا لتسريع تطبيق استخدام الكاميرات المثبتة على أجساد رجال الشرطة في شرطة مونتريال" بهدف ضمان مزيد من الرقابة والحد من أي تجاوزات محتملة.

وفي السياق نفسه، أكدت جهات بلدية وأمنية أخرى دعمها الكامل للتحقيقات الجارية، مشددة على أن أي شكل من أشكال العنصرية أو التمييز غير مقبول داخل المؤسسات العامة، وخاصة في جهاز الشرطة الذي يُفترض أن يكون في خدمة جميع المواطنين على قدم المساواة.

ونظّم ناشطون مجتمعيون يوم أمس الاثنين وقفة احتجاحية أمام مركز شرطة Montreal Nord  مندّدين بسلوك أفراد الشرطة العنصري.

القضية ما زالت قيد التحقيق، ولم تُصدر السلطات القضائية قرارات نهائية بشأن التهم المحتملة أو المسؤوليات الفردية على عناصر الشرطة.

وفي هذا السياق، أجرينا مقابلة مع عضو بلدية مونتريال يوسف حريري للوقوف على تداعيات القضية ورؤية البلدية حيالها.

يوسف حريري: من المهم أن يكون هناك تمثيل أكبر لمختلف الجاليات داخل جهاز الشرطة

في مستهل حديثه، عبّر حريري عن صدمته من القضية، قائلًا: "شخصيًا، تفاجأت جدًا عند سماع هذا الخبر، ولم أكن على علم به مسبقًا، ولكن يبدو أن الأمر كان مخفيًا إلى حد كبير". وأضاف أن هذا الأمر "مزعج ومستفز"، خاصة بالنسبة له كفرد من الجالية العربية، مشيرًا إلى أن "سماع بوجود تعصب وعنصرية داخل جهاز الشرطة ضد جاليات معينة أمر غير مقبول".

وأوضح حريري أن العنصرية ليست ظاهرة جديدة، قائلًا: "العنصرية تجربة مرّ بها الكثيرون بدرجات مختلفة، وأنا أيضًا مررت بها"، مؤكدًا أن الوقت قد حان "لوضع الأمور في نصابها الصحيح ووضع حد لهذه الممارسات". ولفت إلى أن التقارير كشفت عن سلوك مزدوج لبعض العناصر، حيث "كانوا يعملون خلال النهار ضمن المجتمع، لكنهم في الليل كانوا يتصرفون بشكل مختلف"، مضيفًا أنه "تم طرد عدد منهم بسبب ممارسات عنصرية، خاصة تجاه الجالية العربية".

وعند سؤاله عن تأثير فصل هذا العدد من عناصر الشرطة، أشار حريري إلى احتمال وجود نقص، قائلًا إن "هناك نقصًا بالفعل، وربما أيضًا ضعفًا في التحضير أو في الوعي بكيفية تنفيذ التدخلات الميدانية بشكل مناسب". وأكد أهمية تعزيز التنوع داخل جهاز الشرطة، مضيفًا أنه "من المهم أن يكون هناك تمثيل أكبر لمختلف الجاليات داخل جهاز الشرطة، حتى يتمكنوا من فهم طريقة تفكير هذه المجتمعات".

وفيما يتعلق بصعوبة الانضمام إلى جهاز الشرطة، أقرّ حريري بأن الشروط عالية، لكنه شدد على أن "وجود عناصر من داخل الجاليات في الشرطة أمر ضروري". وأوضح أن بعض هؤلاء العناصر يواجهون تحديات كبيرة أثناء العمل، قائلًا إنهم "يعانون أيضًا أثناء أداء مهامهم" بسبب "عدم ثقة شريحة من الناس بالشرطة"، إلى جانب الضغوط اليومية المرتبطة بطبيعة العمل، حيث "لا يعلمون مسبقًا نوع التدخل الذي سيقومون به"، وقد يتعاملون مع "جرائم أو حالات قتل أو أشخاص يعانون من مشاكل نفسية".

وحول انتشار العنصرية، أشار حريري إلى أنها " ليست محصورة فقط في Montreal Nord"، مؤكدًا ضرورة الوصول إلى نتائج واضحة في التحقيقات، لأن "مثل هذه السلوكيات غير مقبولة إطلاقًا". ودعا إلى مراجعة برامج التدريب وتقديم دورات تأهيلية لعناصر الشرطة حول كيفية التعامل مع الجاليات المختلفة، بدلًا من الاعتماد على "صور نمطية قد تكون مشبعة بالعنصرية".

وفي ما يتعلق بالخطط البلدية، كشف يوسف حريري عن وجود "خطة عمل" أُطلقت قبل عدة أشهر، مشيرًا إلى أن جهاز الشرطة كان يعاني سابقًا من "ما يشبه قانون الصمت"، حيث لا يتم الإبلاغ عن التجاوزات. لكنه اعتبر أن التطور الإيجابي يتمثل في أن "بعض عناصر الشرطة أنفسهم خرجوا وتحدثوا عن هذه الفئة المتعصبة".

كما أشار إلى دور قيادة الشرطة الحالية، مؤكدًا أن هناك "جهودًا تُبذل، خاصة بقيادة فادي داغر"، الذي "لا يقبل بمثل هذه الممارسات"، ما أدى إلى إطلاق عدة مبادرات وخطط إصلاحية.

وعلى مستوى المدينة، أوضح حريري أن "مونتريال تمتلك تاريخًا في مكافحة العنصرية"، مع وجود سياسات قائمة منذ سنوات. وأضاف أنه عقب الكشف عن القضية "عُقدت مؤتمرات صحفية، ثم تم تنظيم اجتماع ضم حوالي 35 ممثلًا عن الجمعيات في مونتريال الشمالية لمناقشة هذا الموضوع"، مع توقع اتخاذ خطوات عملية قريبًا.

لكنه شدد على أن بلدية مونتريال لا تمتلك سلطة مباشرة على جهاز الشرطة، موضحًا أن الشرطة تتبع للمقاطعة ككل. وأشار إلى أن رئيسة بلدية مونتريال طلبت فتح تحقيق مستقل، لأن "تكليف الشرطة بالتحقيق مع نفسها قد لا يؤدي إلى النتائج التي ينتظرها الناس". وقد رُفع الطلب إلى الجهات الحكومية على مستوى المقاطعة، التي تملك صلاحية تحديد طبيعة التحقيق.

وأضاف أن وزير الأمن الداخلي في كيبيك أعلن مؤخرًا عن تعيين مراقب للإشراف على لجنة التحقيقضمان الشفافية". وأكد أن القضية لا تزال في إطار الشكاوى، ولم تتحول بعد إلى اتهامات رسمية، إذ يتطلب ذلك قرارًا قضائيًا، مشيرًا إلى أن التحقيقات لا تزال جارية.

وشدد حريري على ضرورة اتخاذ موقف واضح، قائلًا: "لا يمكن السكوت عن مثل هذه التصرفات العنصرية، خاصة عندما تصدر عن جهات رسمية". وأضاف أن الشرطة "من المفترض أن تكون جهة حماية، وإذا كانت تمارس العنصرية، فإن ذلك يشكل خطرًا كبيرًا".

كما أشار إلى بعض الممارسات الصادمة التي وردت في التقارير، مثل "قص شعر بعض الأشخاص كنوع من الترفيه"، واصفًا ذلك بأنه "سلوك بدائي لا يليق بمؤسسة يفترض أن تحمي المواطنين".

ورغم ذلك، دعا حريري إلى عدم التعميم، مؤكدًا أن "هناك العديد من عناصر الشرطة الذين يعملون بإخلاص لخدمة المجتمع"، بل إن بعضهم "هو من كشف هذه التجاوزات".

وفي ختام حديثه، أشار إلى مطالب شعبية بعودة الشرطة إلى النهج المجتمعي الذي كان سائدًا في ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، حيث كان العمل الشرطي "أكثر قربًا من الناس وأكثر تعاونًا مع الجمعيات المحلية، ويركز على الوقاية بدلًا من التدخل فقط".

كما التقينا الناشطة في المجال المجتمعي سجى فرحات التي تعمل على أطروحة دكتوراه عن المسؤولية السياسية الجماعية.

سجى فرحات: نحن في الأصل لا ننظر إلى الأفراد بوصفهم أشخاصًا، بل بوصفهم قالبًا لصورة مسبقة في أذهاننا

حول تأثير الصور النمطية على طريقة فهم الجريمة والتعامل مع بعض الفئات، وصفت سجى فرحات الآلية الذهنية التي يعمل بها التصنيف الاجتماعي، بالقول: "نحن في الأصل لا ننظر إلى الأفراد بوصفهم أشخاصًا، بل بوصفهم قالبًا لصورة مسبقة في أذهاننا. يعني أننا في رؤوسنا نصنّف الناس إلى فئات، ولا يصبح الفرد ممثلًا لذاته، بل ممثلًا لتلك الفئات."

وأضافت موضحةً أن هذه الآلية تتجاوز مجرد الأحكام إلى تأثيرها في عملية الإدراك ذاتها، فالإنسان "يبالغ في بعض السلوكيات حين تظهر من فئة معينة، ويتجاهلها حين تظهر من فئات أخرى"، مختتمةً بأن "الواقع يتشكل بتوقعاتنا الذهنية؛ فلديك فكرة مسبقة، فأنت ترى ما يتوافق معها".

وعن كون هذه الظاهرة مجرد عنصرية فردية أم أنها تتجاوز ذلك، أكدت فرحات أنها تمثل عنصرية نظامية، موضحةً أنها: "لا تقتصر على التصرفات الفردية، بل تتشكل من خلال أنماط متكررة وممارسات داخل المؤسسات، التي تقوم بإنتاج وضع غير متساوٍ لفئات معينة."

وأشارت إلى أن الفرد قد لا يحمل نية عنصرية واعية، قائلة: "ليس الشخص بالضرورة يريد أن يكون عنصريًا، لكنه كبر وتربى في مؤسسة تعمل بهذه الطريقة."

وفي معرض سؤالها عن دور المؤسسة التربوية، سواء في الحد من العنصرية أو إعادة إنتاجها، ذكرت فرحات أن الأطفال في فطرتهم "يلعبون مع بعضهم البعض دون النظر إلى لون الآخر" وأن "المنهج الدراسي ينمّي ذلك". لكنها عادت لتؤكد أن المشكلة تنشأ من التنشئة الخارجية، حيث "تأتي المعتقدات والثقافة التي قد يورثها الطفل من أهله ومحيطه."

وأضافت أنه في حال كانت المعلمة عنصرية، فهو ليس معممًا، محذّرة من فخ التعميم الذي قالت إنه "يسبب دراما". واستشهدت بمثال الشرطي الذي يحرر مخالفة سرعة بالقول: "قد يعطيني شرطي مخالفة لأنني أسرفت في السرعة، لا لأنه عنصري، بل لأني أستحق المخالفة. فلا ينبغي أن نعطي أنفسنا حججًا واهية لتبرير تصرفاتنا."

وأرجعَت سجى جذور العنصرية لدى بعض الكيبيكيين إلى ما وصفته بـ"غسيل الدماغ" الناتج عن خطاب سياسي تخويفي، موضحةً: "هناك تخويف من بعض الأحزاب السياسية لتخويفهم من زوال اللغة الفرنسية، أو أنهم سيُغلبون، لكسب الأصوات. فهذا يفسّر لي أين يَكمن أصل العنصرية في بعض الأحيان."

وعند الحديث عن الأشكال غير المرئية للعنصرية، قدّمت فرحات مقاربة نفسية واجتماعية قالت فيها: "أحيانًا يجذب الإنسان العنصرية لنفسه... حين نرى أنفسنا دائمًا ضحية، نصبح نتأثر بأي شيء، وخاصة من أولئك الذين في أذهانهم صورة نمطية معينة."

ودعت إلى عدم أخذ الإساءات بشكل شخصي، واستندت إلى موقف حصل معها في فرنسا حين رفضت امرأة ركوب المصعد معها، قائلة: "قلت لهم: هذا أفضل. ووصلت قبلهن. فالإنسان لا ينبغي أن يأخذ الأمور بشكل شخصي، بل يعرف أن الآخر يتصرف وفق ما يعرفه، وليس لديه مبرر لأفعاله."

أما بخصوص العنصرية تجاه المحجبات فأقرّت بوجودها واحتمالية تأثيرها النفسي، لكنها شددت على أهمية "الثقة الكافية" وألا تأخذ الفتاة الأمر على محمل شخصي، مع الاعتراف بأنها لم تشعر بأي تمييز واضح في حياتها اليومية، سواء مع زملائها الأجانب أو الكيبيكيين.

وعن تأثير العنصرية على الشعور بعدم الانتماء، أجابت فرحات: "حين أذهب إلى لبنان لا أشعر بأني لبنانية خالصة، وحين أذهب إلى كندا لا أشعر بأني كندية خالصة؛ نحن بين الاثنين: كندية لبنانية، وهويتان معًا. لا يمكننا إلغاء أيٍّ منهما." ودعت إلى النظر إلى النقاط المشتركة بدلًا من الاختلافات، مضيفة: "نشأنا في مجتمع يدعو إلى النظر إلى ما يفرّقنا، فلماذا لا ننظر إلى ما يجمعنا؟ فالقاسم المشترك الأعظم أننا بشر."

وعن تغير خطاب العنصرية خلال السنوات الأخيرة ودور الحكومة والجهات الرسمية، أجابت سجى فرحات بأن التغيير واقعي وملموس، حتى لو لم يعترف لوغو وبعض الجهات رسميًا بوجود العنصرية. مضيفة أنه "لا يمكننا إنكار ما يحدث على الأرض في الجامعات والمؤسسات. فمثلًا، فكرة 'الإدماج الاجتماعي' أصبحت واضحة؛ حين تتقدمين لوظيفة تجدينهم يكتبون 'الأفضلية للأقليات'، وهذا يدل على انفتاح وتقدم، باعتبار عدم العنصرية أصبح تقدمًا للمجتمع."

وقد اطّلعنا على آراء شباب حول تزايد العنصرية في مونتريال

محمد الزين: العنصرية ليست ظاهرة هامشية، بل تجربة متكررة

يروي محمد الزين، وهو شاب ناشط وُلد ونشأ في مونتريال، أن العنصرية ليست ظاهرة هامشية، بل تجربة متكررة لمسها عن قرب. ويقول: "بصراحة، شعرت بها بشكل كبير"، مشيرًا إلى أن المدرسة كانت من أول الأماكن التي ظهرت فيها هذه الممارسات.

ويضيف أن الفتيات المحجبات يتعرضن لنظرات واستفسارات تحمل طابعًا تمييزيًا، موضحًا: "كانوا ينظرون إليهن وكأنهن غريبات، ويسألونهن لماذا ترتدين الحجاب، وكأن الأمر غير طبيعي". كما أشار إلى أن شقيقته تعرضت لمواقف مشابهة داخل المدرسة.

أما فيما يتعلق بالعنصرية ضد السود، فيؤكد محمد أن الأحكام المسبقة منتشرة، حيث يتم ربط لون البشرة بالسلوك الإجرامي. ويقول: "إذا رأوا شخصًا أسود، قد يفترضون مباشرة أنه مجرم أو أنه سرق شيئًا". كما لفت إلى استخدام ألفاظ مهينة بشكل علني، مثل كلمة "نيغرو"، مضيفًا: "تُقال بكل راحة وكأنها أمر عادي، لكنها في الحقيقة إهانة".

هذه الممارسات، بحسب محمد الزين، تؤدي إلى شعور عميق بعدم الأمان وعدم الانتماء. ويشرح: "يشعرون وكأنهم غرباء في المجتمع"، وهو إحساس لا يقتصر على الفضاء العام، بل يمتد أحيانًا إلى داخل المجتمعات العربية نفسها.

وفي مثال على ذلك، يروي أن بعض أصدقائه من ذوي البشرة السوداء واجهوا رفضًا في الزواج رغم توافقهم الديني والعاطفي مع الطرف الآخر، موضحًا أن السبب كان لون بشرتهم، حيث قيل لهم إنهم "ليسوا من نفس البيئة". ويرى أن هذه الظاهرة تعكس "عنصرية داخلية" تحتاج إلى مراجعة.

ويشير محمد إلى أنه لم يتعرض شخصيًا لموقف مباشر مع الشرطة، لكنه تابع حالات عديدة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، حيث تم التعامل مع أشخاص سود بعنف مفرط دون مبرر واضح. ويقول: "أحيانًا يتم ضربهم أو معاملتهم بقسوة فقط بسبب لونهم، وكأنهم ليسوا بشرًا".

وفيما يخص المؤسسات التعليمية، أشار إلى أن إدارات المدارس قد تتدخل أحيانًا، لكنها لا تتعامل مع العنصرية كقضية جوهرية، بل "تُصغّر المشكلة ولا تعطيها حجمها الحقيقي".

كما انتقد فعالية آليات تقديم الشكاوى، موضحًا أن كثيرًا من المتضررين يُطلب منهم تقديم شكاوى رسمية، "لكن غالبًا لا يتم قبولها"، ما يعزز الشعور بانعدام العدالة.

ويؤكد محمد على ضرورة اتخاذ إجراءات أكثر صرامة لمكافحة العنصرية، بما في ذلك فرض عقوبات واضحة على السلوكيات التمييزية، قد تصل إلى العقوبات القانونية في الحالات الشديدة.

وفي ختام حديثه، عبّر عن قلقه من المستقبل، قائلاً إن الأوضاع "تزداد صعوبة مع مرور الوقت"، في إشارة إلى تفاقم التحديات المرتبطة بالتعايش والاندماج.

فيرونيك فرانسيلون Francilon Veronique: عندما تحدث جريمة ولا يُذكر اسم الفاعل، يفترض الناس مباشرة أنه أسود أو عربي

فيرونيك، شابة من أصول هايتية تعيش في مونتريال، تؤكد أنها لم تتعرض شخصيًا لحوادث عنصرية مباشرة، لكنها شهدت تأثيراتها على من حولها. وتقول: "أنا شخصيًا لم أتعرض لذلك، لكنني أعرف أشخاصًا حولي تعرضوا له"، مشيرة إلى تجربة صديق لها في مكان العمل، حيث رُفض طلب إجازته رغم تقديمه مسبقًا، في حين تمت الموافقة على طلب مماثل لشخص أبيض البشرة.

وترى فيرونيك أن العِرق قد يؤثر أحيانًا على التفاعل اليومي، وإن كان ذلك بطرق غير مباشرة. وتوضح: "أحيانًا يقولون إن لكنتي غير مفهومة"، معتبرة أن هذا النوع من الملاحظات هو من أكثر ما واجهته بشكل شخصي.

ورغم أنها لم تختبر بنفسها مواقف تهدد سلامتها، إلا أن الأخبار المتداولة عن حوادث عنصرية تثير لديها القلق. وتقول: "عندما أسمع عن حادثة عنصرية، أشعر بالانزعاج وأتساءل إن كنت سأجد نفسي يومًا في نفس الموقف"، ما يعكس شعورًا مشتركًا بين كثيرين من أبناء الأقليات.

أما فيما يتعلق بعلاقتها بالشرطة، فتشير إلى أن تجارب الآخرين أثّرت على مستوى ثقتها بالمؤسسة الأمنية. وتقول: "لم أتواصل كثيرًا مع الشرطة، لكن من خلال ما سمعته من الآخرين، أصبحت ثقتي أقل"، مضيفة أن بعض عناصر الشرطة يشككون في روايات المواطنين الذين يوقفوهم ويطرحون أسئلة مفرطة.

وفيما يخص دور الإعلام، تعتقد فيرونيك أنه يساهم جزئيًا في ترسيخ الصور النمطية. وتشرح: "عندما تحدث جريمة ولا يُذكر اسم الفاعل، يفترض الناس مباشرة أنه أسود أو عربي"، ما يعزز الأحكام المسبقة في المجتمع.

وعلى خلاف ذلك، ترى أن البيئة المدرسية أقل تأثرًا بهذه الظاهرة، إذ لم تشهد شخصيًا حالات عنصرية داخل المدرسة. وتقول إن المدارس تفرض قواعد صارمة ضد التمييز، وتحرص على التوعية بمخاطره، مشيرة إلى أن "العنصرية ليست مجرد قول: لا أحبك، بل لها تأثير أعمق بكثير على الشخص الآخر".

وفي رؤيتها لمستقبل مونتريال، تؤكد فيرونيك على أهمية التمثيل العادل في المؤسسات، خاصة في الشرطة والإعلام. وتقول: "يجب أن يكون هناك المزيد من الأشخاص الملونين في مناصب مهمة، لأن ذلك يساعد على تغيير النظرة النمطية ويعزز الشعور بالانتماء".

كما علّقت على حادثة حديثة أُثيرت حول سلوك عنصري من قبل بعض عناصر الشرطة، تضمنت قص شعر شبان سود وعرب، معتبرة أن ما حدث "أمر مريع". وتضيف متسائلة: "لماذا يصل الأمر إلى هذا الحد؟ أنتم هنا لحمايتنا، وليس للإساءة إلينا". وشددت على أن "الشعر جزء حميم من جسد الإنسان، وقصّه دون مبرر ليس مزحة، بل أمر عنصري بحت".