بقلم: د. وفاء مروة - مونتريال
في ظلّ الأوضاع المتفاقمة التي يعيشها الجنوب، لم يعد الألم مجرّد حالة طارئة، بل تحوّل إلى واقع يومي يثقل كاهل الإنسان ويهدّد أبسط مقومات الحياة. فمع كلّ يومٍ جديد، تتكرّر مشاهد القتل والدمار، وتتراكم الخسائر البشرية، في مشهد يعكس عمق الأزمة الإنسانية وغياب الحدّ الأدنى من الحماية للمدنيين.
تأتي حادثة مقتل المربية التربوية اسبيرنزا غندور لتجسّد هذه المأساة بأبشع صورها. فهي ليست مجرّد ضحية ضمن أرقام تتزايد، بل تمثّل نموذجًا لإنسانٍ مدني كرّس حياته للتربية والتعليم، ووجد نفسه هدفًا للعنف. إنّ كونها مربية أطفال ومديرة مدرسة يطرح تساؤلات جدّية حول حدود هذا الاستهداف، ويكشف عن انهيار واضح في احترام المبادئ الأساسية التي يفترض أن تحمي المدنيين، لا سيّما العاملين في القطاع التربوي.
إنّ مقتلها مع أفراد عائلتها، وفي سياق قيامها بتفقد مدرستها والتعبير عن تمسّكها بحق العودة إلى منزلها وأرضها، يعكس بوضوح حجم الانتهاك الذي يطال الحقوق الأساسية، وعلى رأسها الحق في الحياة، والحق في الأمن، والحق في السكن. هذه الحقوق، التي تشكّل جوهر القواعد الدولية لحقوق الإنسان، تبدو اليوم عرضة للتهميش في واقع يطغى عليه العنف والإفلات من المساءلة.
من منظور القانون الدولي الإنساني، فإنّ استهداف المدنيين أو تعريضهم للخطر المباشر يُعدّ انتهاكًا جسيمًا للمبادئ الأساسية، وعلى رأسها مبدأ التمييز بين المدنيين والمقاتلين، ومبدأ التناسب، وواجب اتخاذ الاحتياطات اللازمة لتجنيب المدنيين آثار النزاعات. كما أنّ المؤسسات التعليمية تُعدّ من الأعيان المدنية التي تحظى بحماية خاصة، ما يجعل أي استهداف مرتبط بها محلّ مساءلة قانونية خطيرة.
لا يمكن قراءة هذه الحادثة بمعزل عن السياق العام الذي يعيشه أبناء الجنوب، حيث أصبح الصمود عنوانًا مفروضًا، والصبر خيارًا قسريًا لا إراديًا. فالمجتمع الجنوبي يواجه يوميًا تحدّي البقاء، في ظلّ فقدان الأمان، وتكرار النزوح، وتدمير البنية التحتية، بما في ذلك المؤسسات التعليمية التي يفترض أن تكون ملاذًا آمنًا للأطفال.
من منظور إنساني، يطرح هذا الواقع تساؤلات ملحّة حول المسؤولية الجماعية في حماية المدنيين، وحول دور المجتمع الدولي في الحدّ من هذه الانتهاكات. كما يفتح الباب أمام نقاش أوسع حول فعالية الآليات القانونية القائمة، ومدى قدرتها على تحقيق الردع والمساءلة.
أما من الناحية الاجتماعية، فإنّ استمرار هذا الوضع يهدّد النسيج المجتمعي، ويعمّق مشاعر الخوف واللايقين، ويؤثّر بشكل مباشر على الأجيال الصاعدة، التي تنشأ في بيئة يطغى عليها العنف بدل الاستقرار.
في المحصلة، لم يعد أبناء الجنوب مجرّد متضرّرين من أزمة عابرة، بل باتوا يعيشون حالة مستمرة من الخطر الوجودي، حيث يتحوّل كلّ فرد إلى مشروع ضحية محتملة. وبين محاولات التماسك وإظهار القوة، تبقى الحقيقة الأكثر قسوة هي أنّ الشعور بالأمان قد تلاشى، وأنّ الحياة اليومية أصبحت رهينة احتمالات مفتوحة على الفقد.
إنّ معالجة هذه المأساة تتطلّب أكثر من توصيف الواقع؛ فهي تستدعي تحرّكًا فعليًا على المستويين الإنساني والقانوني، لضمان حماية المدنيين، ووضع حدّ لحالة الإفلات من العقاب، وإعادة الاعتبار للحقوق الأساسية التي لا يجوز المساس بها تحت أي ظرف.
ويبقى السؤال الأهم: إلى متى يستمر هذا النزيف، وإلى متى يبقى الإنسان في الجنوب يدفع ثمن واقعٍ يفوق قدرته على الاحتمال؟
6 مشاهدة
07 يوليو, 2026
4 مشاهدة
07 يوليو, 2026
121 مشاهدة
05 يوليو, 2026