د. اسماعيل الحاج علي ـ غاتينو
ليست صورة تسخر من المسلمين بوصفهم «طرائد» وتمنح صائديهم رخصة مفتوحة مجرد نكتة سيئة، بل علامة اجتماعية وسياسية خطرة. فنزع الإنسانية يبدأ حين يُعاد تقديم جماعة بشرية بوصفها أقل تحضراً أو أخطر أو أقرب إلى الحيوان، فتغدو الإساءة تمهيداً نفسياً ورمزياً لتخيّل العنف وتبريره. لذلك لا يعني التحذير أن كل منشور يقود حتماً إلى مجزرة، بل أن الوقاية الديمقراطية لا تنتظر وقوع الجريمة كي تعترف بإشاراتها المبكرة.
وتزداد خطورة هذا الخطاب ضمن ذاكرة العنف ضد المسلمين في كندا: اعتداءات على مساجد، وقتل مصلين وأسر، واعتداءات على محجبات، وتهديدات متكررة. فالضحايا ليسوا أرقاماً، بل أمهات وأطفالاً وعمالاً ومواطنين. وفي حين احصت صحف كندا 204 جرائم كراهية ضد المسلمين سنة 2025 ووثقت إلغاء مكتب الممثلة الخاصة لمكافحة الإسلاموفوبيا في خطوة تبدو مطبخية، خرج المنشور يحمل نفس الدمغة ليعبر عن نفسه كمسار عنف وتراجع مؤسسي، لا كحادثة معزولة.
الصمت ليس حياداً
فكما يبين هابرماس وتوكفيل، لا تكفي الشرطة والمحاكم إذا انسحب المواطنون من حماية شروط الفضاء العام والمساواة. والمشكلة الكندية ليست في غياب المبادئ الدستورية فقط، بل في الفجوة بين الحقوق المعلنة وتطبيقها اليومي. سرعة الدولة في معاملة المسلم مصدراً للخطر، مقابل بطئها حين يكون ضحية، تصنع مواطنتين: مواطنة محمية وأخرى مراقبة.
ويفسر جيرار وسعيد وهول هذا المسار: يُختزل المسلم في صورة نمطية، ثم يُستدعى كبش فداء للهجرة أو الإرهاب أو أزمة الهوية. والمطلوب ليس شفقة ولا امتيازاً، بل اعترافاً كاملاً ومؤسسات مستقلة للتوثيق والمساءلة وتحالفات مدنية واسعة.
وان حذف الصورة لا يحذف الثقافة التي أنتجتها. فالدفاع عن المسلمين دفاع عن المواطنة وعن الوعد الدستوري بألا يكون أحد طريدة في وطنه.
فرضية المطبخ الجيوسياسي
وقد لا يكون منشور «رخصة الصيد» فعلاً فردياً معزولاً فحسب، بل قد يندرج، إذا كشفت الأدلة عن شبكات تمويل أو تحريض أو توجيه، في بيئة سياسية أوسع تتقاطع فيها مصالح الطاقة الأمريكية مع إضعاف التماسك الفدرالي الكندي. فإثارة العداء بين الجماعات، وتحويل الجاليات الإسلامية إلى «كبش فداء» أو حقل اختبار [cobaye] لحدود الكراهية المقبولة، يمكن أن يخدم مناخاً تتراجع فيه الثقة بالمؤسسات الفدرالية وتتصاعد فيه النزعات الإقليمية. وفي دولة تتوزع فيها موارد الطاقة بين مقاطعات ذات صلاحيات واسعة، يصبح تفكك التضامن الوطني فرصةً للقوى الساعية إلى النفاذ إلى المخزونات والأسواق بشروط أكثر ملاءمة.
لكن هذه الفرضية لا تُبنى على الظنون، بل لا بد من اختبارها عبر تتبّع مسارات التمويل، وصلات المنصات الإعلامية، وشبكات الضغط، والسياسات التي تجعل من الانقسام الاجتماعي منفعةً اقتصادية أو ورقةً استراتيجية. وفي الحالتين يبقى شعبٌ آمن عرضةً لانتهاك أمنه وحقوقه، بينما تظل المقاصد الأبعد لهذه الدوائر مجهولة إلا لله.أفلا يقتضي هذا قانون طوارئ مدنياً يحمي الناس من التحريض المنظّم والاعتداء على أمنهم وكرامتهم؟ أم أن الطوارئ تُستدعى سريعاً حين يُتخيَّل المسلم خطراً، ثم تُؤجَّل حين يكون هو المستهدف بالخطر؟
وهنا تظهر ازدواجية المعيار بأوضح صورها.
دمتم سالمين
12 مشاهدة
23 سبتمبر, 2026
9 مشاهدة
23 سبتمبر, 2026
43 مشاهدة
22 سبتمبر, 2026