Sadaonline

بحبك ... بس بالفرنسية!

الانتخابات المقبلة ليست مجرد اختيار حزب أو برنامج. إنها اختيار حياة ومصير

د. علي ضاهر - مونتريال
يبدو أن بعض السياسيين في كيبيك قد وجدوا أخيرا الحل السحري لكل مشاكل المقاطعة: اللغة! نعم، اللغة. فبدل معالجة الاقتصاد ومشاكله، والصحة ومصائبها، والسكن وأزمته، أو أي شيء له علاقة بالحياة الفعلية، قرروا أن المشكلة الحقيقية هي في الطالب الذي يقول "مرحبا" أو "هاي"، أو يستعمل كلمة "أنسوف" الأمازيغية، في ساحة المدرسة وملاعبها. فهذا الطالب تحوّل إلى خطر داهم، واللغة التي يتكلمها باتت سلاح الدمار الشامل، المسبّب لكل المشاكل!
فإذا كنتم، كعرب أو مسلمين أو مهاجرين، قد ظننتم أنكم رأيتم كل أنواع التضييق، فأطمئنوا: أنتم لم تروا شيئًا بعد! وما عشتموه حتى الآن ليس سوى تسخين عضلات قبل المباراة. العرض الحقيقي لم يبدأ بعد! فحين يقرر الحزب الكيبيكي أن يراقب لغة الطلاب خارج الصفوف، في الممرات وباحة المؤسسات التعليمية، نكون قد تحوّلنا إلى نسخة كيبيكية من مدارس الإرساليات في لبنان، التي كانت تعاقب الطالب إن نطق بكلمة عربية في الاستراحة!
لكن بلومندون، رئيس الحزب الكيبيكي، لا يريد مجرد مراقبة.  إنه يطمح إلى أكثر من ذلك. هو يريد هندسة لغوية شاملة وكاملة. يريد أن يعرف بأية لغة تتكلمون في الممرات، وفي الساحات، وعلى الطرقات، وفي الحمّامات، وربما قد يصل الأمر إلى اللغة التي تحلمون بها! وإذا، لا قدر الله، ووصل إلى الحكم، فمن يضمن أنه سيتوقف عند هذا الحد؟ فالخيال، حين يدخل عالم القمع، لا يعرف حدودًا. وقد يوسوس الوسواس الخنّاس لبلومندون بأن يجنّد شرطة لغوية في الشوارع، تفتش عمن يقول "كيفك" بدل"Ça va"، لتلصق به مخالفة لغوية! او قد يؤلف شرطة أخرى للمنازل، تفتش الشرفات لتطمئن إلى أن الزوجين يتحدثان بالفرنسية أثناء شرب القهوة. أما الفرقة الثالثة، فتكون مهمتها أكثر حساسية! فعليها بغرف النوم! عليها التأكد من إلزامية استبدال كلمة "بحبك" بعبارة "Je t’aime"! أما المخالف فيُرسل إلى دورة إعادة تأهيل عاطفي، لأن استعمال الفرنسية، كما قد يشرح لنا أحد الخبراء، قد يساعد في ولادة أطفال متعوّدين على سماعها وهم في الأرحام! وهكذا يصبح المهاجر في كيبيك مهددًا ليس فقط في لباسه أو عبادته أو عمله، بل أيضًا في كلماته. وكأن المطلوب منه أن يعيش في المقاطعة وهو يضع كمّامة لغوية، أو يحمل عدّادًا يحصي الكلمات المسموح له قولها بغير الفرنسية، إذا تكرّم عليه بلومندون!
الانتخابات المقبلة ليست مجرد اختيار حزب أو برنامج. إنها اختيار حياة ومصير: هل سيقبل الناس أن تتحول اللغة إلى أداة ضبط اجتماعي؟ فهذه ليست مجرد سياسة لغوية. إنها طريقة لإعادة تشكيل المجتمع على قاعدة: تكلّم، وارتدِ، وعش كما نريد، وإلا طردناك من جنة كيبيك! التاريخ يعلّم أن التضييق يبدأ بكلمة، ثم يتوسع شيئًا فشيئًا حتى يصبح نمط حياة كاملًا. وعلى المهاجر أن يدرك أن صوته في الانتخابات ليس رفاهية. إنه حقه في أن يتكلم، وأن يحب، وأن يهمس، وأن يصرخ، وأن يعيش باللغة التي يريد، باللغة التي خرجت معه من بلده، ومن ذاكرته، ومن طفولته. فاللغة ليست جريمة. والصندوق الانتخابي ليس علبة تُرمى فيها ورقة وينتهي الأمر. إنه خط دفاع منيع قبل خراب البصرة وتحول كيبيك إلى مختبر لغوي كبير، حيث تصبح كلمة "بحبك" بحاجة إلى تصريح مسبق!