Sadaonline

حاملة طائرات نووية، "يكلبجها" سيفون مرحاض

تحوّل أغلى مشروع بحري في التاريخ إلى مشهد يصلح لكوميديا سوداء

د. علي ضاهر
 
هناك نكتة قديمة كنا نحبها في طفولتنا، لأنها تختصر العالم بعبقرية البساطة. النكتة تُلخص كما يلي: يُحكى أن حمصيًّا قُدِّمت له حبّة ملبّس فاخرة: لوزة صغيرة مغلّفة بطبقة سكر مصقولة بعناية. أمسكها بين أصابعه بوقار العلماء، قلّبها يمينًا ويسارًا، حدّق فيها بعناية كما لو أنّه يفكّك معادلة فيزياء نووية، ثم رفع رأسه وسأل مضيفه: "تقول إن في جوفها لوزة"؟ وحين أجابه المضيف بالإيجاب، أطلق زفرة طويلة وقال بوقار فلسفي: "أنا أفهم كيف تُطلق السفن الفضائية نحو النجوم، وأفهم كيف تنشطر الذرة في المفاعلات النووية، لكنني، وبصراحة، لا أفهم كيف استطاعوا إدخال هذه اللوزة إلى قلب الحبة دون أن يتركوا ثقبًا واحدًا"!
 
تذكّرت هذه النكتة فور سماعي خبر توقّف حاملة الطائرات الأميركية يو إس إس جيرالد آر فورد. هذه السفينة ليست عادية، بل أكبر حاملة طائرات في العالم وأغلى مشروع بحري في تاريخ الولايات المتحدة. طولها أكثر من ثلاثمئة متر، وزنها يقارب مئة ألف طن، تعمل بمفاعلين نوويين. تحمل على متنها مدينة صغيرة، أكثر من 5000 بحار. قادرة على إطلاق الطائرات من سطح البحر كأنها مطار عائم. باختصار: قطعة هندسية من أعقد ما صنعه العقل البشري. لكن هذه الأعجوبة الإنسانية توقّفت في جزيرة كريت، ليس بسبب عطل في المفاعلات، ولا نقص في الوقود. ولا خلل في الرادارات، ولا حتى هجوم معادٍ. بل بسبب المراحيض! نعم، لا تستغربوا، بسبب المراحيض! إذ، و"في ليلة ما فيها ضو قمر"، كما نقول بالعامية، قررت أنابيب الصرف ان تحرن وتتنمرد والتمرّد على ركابها: فتعطّل نظام المراحيض، اختنقت السيفونات، ووقفت السفينة التي يُفترض أنها قادرة على إدارة حرب عالمية، عاجزة أمام "سيفون" حقير قرر أن يعلن العصيان، على ارقى تكنولوجيا حديثة قادرة على إطلاق الطائرات من سطح البحر! فوقفت هذه التكنولوجيا، درة تاج الإمبراطورية، التي يتباهون بها عاجزة عن إطلاق الماء من المرحاض! فيا لها من بهدلة برسم التقدم التكنولوجي!! ويا لها من مفارقة! والله لو وصلت هذه الحكاية إلى الحمصي صاحب نكتة الملبّس، لقفز من مقعده ضاحكًا وقال: "أنا أفهم كيف تُبنى حاملة طائرات بقيمة 13 مليار دولار، وكيف تُطلق الطائرات الكهرومغناطيسية من سطحها، وكيف تستطيع راداراتها أن ترصد رفرفة جناح بعوضة في السماء على بعد كيلومترات، لكنني، والله، أقف عاجزا، لا أستطيع ان أفهم كيف يمكن لكل هذا المجد العسكري أن يتعثر أمام أنبوب صرف قرر أن يعتكف معلنا الاضراب عن العمل!
 البيان الرسمي تحدّث عن "توقّف لوجستي". والتوقّف اللوجستي في القاموس العسكري عبارة مهذّبة تُستخدم عادة حين يكون السبب الحقيقي، غير لائق بهيبة مؤسسة عسكرية تبتلع سنويًا ما يقارب1500 مليار دولار. لكن الحقيقة تقول غير ذلك. لقد كان السبب أبسط بكثير، لكنه شديد الاحراج: آلاف البحّارة كانوا يبحثون عن مرحاض يعمل قبل أن يبحروا ليمعنوا قتلا وهدما وفسادا. فوقف في طريقهم، وأخّرهم عن مهمتهم "التاريخية الجليلة"، "حتّة سيفون صغير" قرر، لسبب غامض، ألا يشارك في القتل والهدم والفساد. فرسم الصورة التالية: على متن الحاملة خمسة آلاف بحّار، وضمير واحد فقط: السيفون.
 وهكذا تحوّل أغلى مشروع بحري في التاريخ إلى مشهد يصلح لكوميديا سوداء أكثر مما يصلح لفيلم هوليودي بطولي عن القوة العظمى، يمجد قدرتها. وعلى طريقة الحمصي الذي فهم الفيزياء النووية وعجز عن فهم حبة الملبّس، أجد نفسي اليوم أقول شيئًا شبيهًا: أفهم كيف استطاع الإنسان أن يبني حاملة طائرات تعمل بالطاقة النووية، وأن يحوّل البحر إلى قاعدة جوية عائمة، وأن يطلق الطائرات من فوق الماء، لكن، بصراحة، لا أفهم كيف يمكن لكل هذا التعقيد أن يتوقف أمام انسداد مراحيض!
 
يبدو أن العالم الذي ينجح في تشغيل المفاعلات النووية، ما زال يعجز عن إقناع سيفون واحد بالقيام بواجبه. وربما لهذا السبب بالذات يرتجف هذا العالم أحيانا من كل شيء، حتى من أنبوب صرف صغير. أليس في ذلك درسٌ فاضح؟ أن أكثر المنظومات تطوّرًا يمكن أن تنكشف أمام أتفه الأسباب، وأن الحضارة التي تتباهى بقدرتها على إدارة الحروب، قد تُهزم في لحظة أمام انسداد لا يتجاوز قطره بضع سنتيمترات.
 
وهكذا، بينما كانت الحاملة تتبختر وتستعد لعرض قوتها، كان السيفون، وحده، وبلا ضجيج، يرفع إصبعه في وجه الإمبراطورية ويقول: "لا، وألف لا". ويا للمفارقة: فقد بدا أكثر رحمةً من مستخدميه، وأكثر شجاعةً من كل ما فوقه من فولاذ ورادارات وصواريخ، ولاسيما بحارة. فإذا كانت قطعة صغيرة من البلاستيك قادرة على تذكير الإمبراطورية بأن الغرور، مهما تضخّم، يمكن أن يتبخر أمام أبسط الأشياء، فكيف سيكون المشهد حين تعزم إرادةُ إنسانٍ واحد او فئة معينة على تذكيرها؟