د. علي ضاهر
يقول المثل الشعبي بعد تحويره قليلا: "الطائف مات، مات وترك لنا سبع بنات". ويُضرب فيمن تكاثرت المصائب فوق رأسه وتعددت همومه. واللبنانيون، بعد طول حيرة وتأمل في "اتفاق الطائف"، وجدوا أخيراً العبارة التي تختصر حاله، فقالوا "الطائف مات، مات وترك لنا سبع بنات"! هذا الاتفاق الذي وعدهم بنعيم الدولة والمواطنة كباقي خلق الله، وُلد عليلاً، أمضى حياته يتردد على عيادات الوصاية الخارجية عائشا على المصل والحقن. وبدلاً من أن يصبح مشروع دولة، تبيّن أنه مريض يدفع المواطن فاتورة استشفائه، حتى استراح "المرحوم" أخيراً وفارق الحياة.
ماذا يقال في المرحوم؟ هل نترحم عليه، أم نردد على الطريقة اللبنانية "الله يغمّق له"؟ يبدو أنه كان يستشعر دنو أجله، فقرر عدم إضاعة الوقت: عاش مزواجاً مطلاقاً متنقلا بين أحضان النساء، تاركا للّبنانيين سبع بنات من أمهات شتى! سبع بنات لم يحالفهن الحظ: لا مال، ولا جمال، ولا خصال حميدة تُذكر، عبارة عن كتلة نكد ومصائب، يتجنب الخطّاب المرور بقربها! إليكم سجل عائلي لبنات المرحوم:
البنت الأولى اسمها "صيغة". وُلدت من زواج المرحوم بامرأة تقرب "أمراء الحرب"! وبما أن هؤلاء الأنسباء الأفاضل لم ينووا يوماً التقاعد أو التنازل عن عرش الجاه لصالح دولة حقيقية، فقد ركّبوا جينات البنت على مقاسهم. كبرت "صيغة" وهي تتغذى على الانقسامات، فتعلّمت أصول "شيلني لِشيلك"، اكتشفت أن السلطة قالب حلوى يوزع على الطوائف، ليكون الجميع شركاء في الأرباح.
البنت الثانية، سميت "طائفية". وُلدت من زوجة تنتمي لسلالة الإقطاع الطائفي. نجحت الأم، بدعم كبير من إخوتها في ترقية الطائفية من مجرد "مرض عابر" إلى "نظام تشغيل دائم". كبرت "طائفية" لتصبح بواب السلطة. كلما أرادوا تعيين موظف، أو انتخاب نائب، أو تشكيل حكومة، وجدوا "طائفية" متسمرة عند الباب، تفتش في مذهبه قبل أن تسأله عن شهادته وكفاءته! وهكذا تحول البلد، الذي وعدنا المرحوم بأنها مرحلة مؤقتة، من ضيف ثقيل إلى مالك البيت، يهجّر الكفؤين!
البنت الثالثة: "تصريف الأعمال". تربت في كنف ام مهووسة بالوجاهة والكسل، تؤمن بأن الطريقة المثالية لإدارة شؤون المنزل هي إغلاقه بالكامل! فكلما اختلف الأبوان على ثمن ربطة الخبز، اعتصمت العائلة. وكلما اعتصمت العائلة، دخل البيت في طور "التصريف"، حتى أصبح "تصريف الأعمال" هو العمل الوحيد المربح الذي يتقنه ساسة لبنان. هكذا بات اللبنانيون يختلفون على كل صغيرة وكبيرة، من صراع المحاور الدولية إلى تزفيت جورة في الشارع مرورا بتعيين ناطور أحراج، لتتحول السلطة إلى ورشة لا يدور فيها سوى محرك واحد: ماكينة التعطيل!
البنت الرابعة: "وصاية". هي ثمرة علاقة مع زوجة تعرّف إليها الطائف في المغترب. فالرجل أصلاً وُلد خارج لبنان، وكلما أصابه زكام سياسي، شحنوه إلى الخارج ليتلقى العلاج تحت إشراف أطباء إقليميين. كبرت "وصاية" لتجلب معها إلى لبنان جيشاً من اشقاء أمها ليصبح لهم "مَونة" على السلطة. ولبنان، الذي قيل إن الطائف سيعيد إليه عافيته السيادية، وجد نفسه مشتتاً بين عواصم ومطابخ خارجية، لكل منها كلمة مسموعة في تسمية رئيس الجمهورية، ونوع حقيبة وزير الأشغال، بل وحتى في لوائح طعام السراي، لدرجة ان القَابِلَة التي ولدته تجاسرت على اعتقال رئيس وزراءه! وبسبب البنت "وصاية"، أصبح اللبناني يلعن الساعة التي يسمع بها شعارات مثل "السيادة" أو "الاستقلال" او "القرار المستقل"!
البنت الخامسة: "انهيار". وُلدت لزوجة نحيلة عانت الأمرين. جاءت الطفلة ضعيفة، ثقيلة الظلّ، وكبرتْ عليلة تنشر النحسَ حولها. حتى السلطة أصابها الشؤمُ، فمرِضت وارتخت أوصالها، وجفّت عروقها حتى أضحت بلا كهرباء ولا ماء ولا قضاء، وبلا مَصرف يحرس الودائعَ التي تبخرت بقدرة قادر. في المقابل، كبرتْ "انهيار"، وكبرت معها طبقة سياسية مصابة ببلادة، لا يهمُّها إلا الكرسي وما يُدرُّهُ من خيرات!
البنت السادسة أطلق عليها اسم: "انعدام الثقة". وُلدت من رحم الخديعة، وربتها أم محتالة محترفة وخائنة، لوّعت الزوج، فكبرت البنت لتنزع من قلب اللبناني آخر ذرة أمل: لم يعد يثق لا بسلطة ولا بدولة، ولا بسياسي، ولا بمدير مصرف، ولا بقانون، ولا حتى بنشرة الأرصاد الجوية! وبفضل البنت "انعدام الثقة"، أصبح المواطن إذا سمع خبراً سعيداً يصاب بالذعر. كيف لا والتجارب علمته أن الخبر السعيد ليس إلا إعلاناً لكارثة قادمة!
البنت السابعة، اخر العنقود، سُمِّيَتْ "إطار". هذه ليست مجرّد ابنة، بل هي "ثقبٌ زمنيٌّ"، وُجد لتمرير عاصفةٌ سياسيةٌ وأمنيةٌ تأكل الأخضر واليابس، والبشر والحجر. ولدت "إطار" من امرأة، أقاربها وداعموها ليسوا "ناس حبتين"، ولا بالهيّنين أبداً! جاءت متعجرفةً، مزهوةً بنفسها، تتصرّف كأنها الخيار الأوحد. تحسب نفسها التجسيد الحي لشعار "كلنا للوطن"، لكنها، في الأصل، لا تعترف بـ"الطائف"، ولا بوفاته، ولا أصلاً بمندرجاته التي تحاول تلغيمها. من شدّة تبجّح "إطار" وغطرستها، ثمة شكوك في سلامتها، واحتمال انفجارها، كإطار، وارد جدا.
البعض يتصرّف كأن موت الطائف فرصة له. واحد يريد أن يعيد اختراع الدولة على مقاسه. آخر يحلم بإمارة صغيرة يضع فوقها صورته. ثالث يفتّش في دفاتر جده العتيقة، عن نظام كان فيه "الآمر والناهي" بلا مساءلة، ورابع يريد إعادة نظام لبنان التأسيسي. يتصرفون كأن الطائف ترك لهم ذهباً وفضّة وعقارات، بينما الحقيقة أنه لم يترك سوى دفتر ديون. ومع ذلك، يتقاسمون التركة قبل الدفن، يختلفون على شكل النعش، على لون الكفن، وعلى من يقرأ الفاتحة! أما الست "إطار"، فهذه لا تتصرّف كابنة، بل كـ"مديرة الجنازة"! المشكلة ليست في غطرستها، بل في أن السلطة تتصرّف وكأنها مقتنعة بأنها فعلاً السقف الأخير فوق رأسها!
لقد ماتَ "الطائف"، حقًّا مات! فمَن سيحمي ما تبقّى من أهله؟ ألَعَلَّها الست "إطار"؟ أعوذُ بالله! فكأنَّكَ تُوكل الذئب برعي الغنم! لن يحميَهم إلا أمٌّ حقيقية. ام وحدها من ستتذكر، في خضم مأدبة الوراثة، أنَّ هناك ولدًا اسمه لبنان، يحتاج إلى من يحوطُه ويحميه، لا إلى من يتقاسم تركته، أو يتباكى عليه، أو يستجدي باسمه!
يقول المثل الشعبي بعد تحويره قليلا: "الطائف مات، مات وترك لنا سبع بنات". ويُضرب فيمن تكاثرت المصائب فوق رأسه وتعددت همومه. واللبنانيون، بعد طول حيرة وتأمل في "اتفاق الطائف"، وجدوا أخيراً العبارة التي تختصر حاله، فقالوا "الطائف مات، مات وترك لنا سبع بنات"! هذا الاتفاق الذي وعدهم بنعيم الدولة والمواطنة كباقي خلق الله، وُلد عليلاً، أمضى حياته يتردد على عيادات الوصاية الخارجية عائشا على المصل والحقن. وبدلاً من أن يصبح مشروع دولة، تبيّن أنه مريض يدفع المواطن فاتورة استشفائه، حتى استراح "المرحوم" أخيراً وفارق الحياة.
ماذا يقال في المرحوم؟ هل نترحم عليه، أم نردد على الطريقة اللبنانية "الله يغمّق له"؟ يبدو أنه كان يستشعر دنو أجله، فقرر عدم إضاعة الوقت: عاش مزواجاً مطلاقاً متنقلا بين أحضان النساء، تاركا للّبنانيين سبع بنات من أمهات شتى! سبع بنات لم يحالفهن الحظ: لا مال، ولا جمال، ولا خصال حميدة تُذكر، عبارة عن كتلة نكد ومصائب، يتجنب الخطّاب المرور بقربها! إليكم سجل عائلي لبنات المرحوم:
البنت الأولى اسمها "صيغة". وُلدت من زواج المرحوم بامرأة تقرب "أمراء الحرب"! وبما أن هؤلاء الأنسباء الأفاضل لم ينووا يوماً التقاعد أو التنازل عن عرش الجاه لصالح دولة حقيقية، فقد ركّبوا جينات البنت على مقاسهم. كبرت "صيغة" وهي تتغذى على الانقسامات، فتعلّمت أصول "شيلني لِشيلك"، اكتشفت أن السلطة قالب حلوى يوزع على الطوائف، ليكون الجميع شركاء في الأرباح.
البنت الثانية، سميت "طائفية". وُلدت من زوجة تنتمي لسلالة الإقطاع الطائفي. نجحت الأم، بدعم كبير من إخوتها في ترقية الطائفية من مجرد "مرض عابر" إلى "نظام تشغيل دائم". كبرت "طائفية" لتصبح بواب السلطة. كلما أرادوا تعيين موظف، أو انتخاب نائب، أو تشكيل حكومة، وجدوا "طائفية" متسمرة عند الباب، تفتش في مذهبه قبل أن تسأله عن شهادته وكفاءته! وهكذا تحول البلد، الذي وعدنا المرحوم بأنها مرحلة مؤقتة، من ضيف ثقيل إلى مالك البيت، يهجّر الكفؤين!
البنت الثالثة: "تصريف الأعمال". تربت في كنف ام مهووسة بالوجاهة والكسل، تؤمن بأن الطريقة المثالية لإدارة شؤون المنزل هي إغلاقه بالكامل! فكلما اختلف الأبوان على ثمن ربطة الخبز، اعتصمت العائلة. وكلما اعتصمت العائلة، دخل البيت في طور "التصريف"، حتى أصبح "تصريف الأعمال" هو العمل الوحيد المربح الذي يتقنه ساسة لبنان. هكذا بات اللبنانيون يختلفون على كل صغيرة وكبيرة، من صراع المحاور الدولية إلى تزفيت جورة في الشارع مرورا بتعيين ناطور أحراج، لتتحول السلطة إلى ورشة لا يدور فيها سوى محرك واحد: ماكينة التعطيل!
البنت الرابعة: "وصاية". هي ثمرة علاقة مع زوجة تعرّف إليها الطائف في المغترب. فالرجل أصلاً وُلد خارج لبنان، وكلما أصابه زكام سياسي، شحنوه إلى الخارج ليتلقى العلاج تحت إشراف أطباء إقليميين. كبرت "وصاية" لتجلب معها إلى لبنان جيشاً من اشقاء أمها ليصبح لهم "مَونة" على السلطة. ولبنان، الذي قيل إن الطائف سيعيد إليه عافيته السيادية، وجد نفسه مشتتاً بين عواصم ومطابخ خارجية، لكل منها كلمة مسموعة في تسمية رئيس الجمهورية، ونوع حقيبة وزير الأشغال، بل وحتى في لوائح طعام السراي، لدرجة ان القَابِلَة التي ولدته تجاسرت على اعتقال رئيس وزراءه! وبسبب البنت "وصاية"، أصبح اللبناني يلعن الساعة التي يسمع بها شعارات مثل "السيادة" أو "الاستقلال" او "القرار المستقل"!
البنت الخامسة: "انهيار". وُلدت لزوجة نحيلة عانت الأمرين. جاءت الطفلة ضعيفة، ثقيلة الظلّ، وكبرتْ عليلة تنشر النحسَ حولها. حتى السلطة أصابها الشؤمُ، فمرِضت وارتخت أوصالها، وجفّت عروقها حتى أضحت بلا كهرباء ولا ماء ولا قضاء، وبلا مَصرف يحرس الودائعَ التي تبخرت بقدرة قادر. في المقابل، كبرتْ "انهيار"، وكبرت معها طبقة سياسية مصابة ببلادة، لا يهمُّها إلا الكرسي وما يُدرُّهُ من خيرات!
البنت السادسة أطلق عليها اسم: "انعدام الثقة". وُلدت من رحم الخديعة، وربتها أم محتالة محترفة وخائنة، لوّعت الزوج، فكبرت البنت لتنزع من قلب اللبناني آخر ذرة أمل: لم يعد يثق لا بسلطة ولا بدولة، ولا بسياسي، ولا بمدير مصرف، ولا بقانون، ولا حتى بنشرة الأرصاد الجوية! وبفضل البنت "انعدام الثقة"، أصبح المواطن إذا سمع خبراً سعيداً يصاب بالذعر. كيف لا والتجارب علمته أن الخبر السعيد ليس إلا إعلاناً لكارثة قادمة!
البنت السابعة، اخر العنقود، سُمِّيَتْ "إطار". هذه ليست مجرّد ابنة، بل هي "ثقبٌ زمنيٌّ"، وُجد لتمرير عاصفةٌ سياسيةٌ وأمنيةٌ تأكل الأخضر واليابس، والبشر والحجر. ولدت "إطار" من امرأة، أقاربها وداعموها ليسوا "ناس حبتين"، ولا بالهيّنين أبداً! جاءت متعجرفةً، مزهوةً بنفسها، تتصرّف كأنها الخيار الأوحد. تحسب نفسها التجسيد الحي لشعار "كلنا للوطن"، لكنها، في الأصل، لا تعترف بـ"الطائف"، ولا بوفاته، ولا أصلاً بمندرجاته التي تحاول تلغيمها. من شدّة تبجّح "إطار" وغطرستها، ثمة شكوك في سلامتها، واحتمال انفجارها، كإطار، وارد جدا.
البعض يتصرّف كأن موت الطائف فرصة له. واحد يريد أن يعيد اختراع الدولة على مقاسه. آخر يحلم بإمارة صغيرة يضع فوقها صورته. ثالث يفتّش في دفاتر جده العتيقة، عن نظام كان فيه "الآمر والناهي" بلا مساءلة، ورابع يريد إعادة نظام لبنان التأسيسي. يتصرفون كأن الطائف ترك لهم ذهباً وفضّة وعقارات، بينما الحقيقة أنه لم يترك سوى دفتر ديون. ومع ذلك، يتقاسمون التركة قبل الدفن، يختلفون على شكل النعش، على لون الكفن، وعلى من يقرأ الفاتحة! أما الست "إطار"، فهذه لا تتصرّف كابنة، بل كـ"مديرة الجنازة"! المشكلة ليست في غطرستها، بل في أن السلطة تتصرّف وكأنها مقتنعة بأنها فعلاً السقف الأخير فوق رأسها!
لقد ماتَ "الطائف"، حقًّا مات! فمَن سيحمي ما تبقّى من أهله؟ ألَعَلَّها الست "إطار"؟ أعوذُ بالله! فكأنَّكَ تُوكل الذئب برعي الغنم! لن يحميَهم إلا أمٌّ حقيقية. ام وحدها من ستتذكر، في خضم مأدبة الوراثة، أنَّ هناك ولدًا اسمه لبنان، يحتاج إلى من يحوطُه ويحميه، لا إلى من يتقاسم تركته، أو يتباكى عليه، أو يستجدي باسمه!
125 مشاهدة
12 أغسطس, 2026
149 مشاهدة
11 أغسطس, 2026
174 مشاهدة
06 أغسطس, 2026