د. علي ضاهر
جاء هذا المقال في أعقاب التجمّع الذي نُظّم يوم السبت في شاوينيغان تحت شعار "كيبك بيضاء"، والذي لا يمثّل سوى رأس جبل الجليد لنظرة غير مرحِّبة كامنة في أوساط كيبيكية. نظرة تتغذّى وتتمدّد كلما وجدت من ينفخ فيها من النخب. وما أكثر هذه النخب التي لا تزدهر إلا حين تجد مهاجراً تُعلّق عليه خطاياها، وتبني من وجوده خطاباً يدرّ عليها نفوذاً وصوتا.
هويةٌ المهاجر تُمنح بالورق، وتُنتزع بالنظرات، وتبقى معلّقة بين قبول بارد ورفض صامت، هذه هي الحال، في كيبيك، حيث أصبحت "الأمة الكيبيكية" مثل وصفة الكبة. الجميع يفتي فيها والكل "يبل إيده فيها". السياسي يبيعها في حملته، والإعلامي يحللها في مقالاته، والناشط يصرخ بها في مظاهراته. حتى جاري، فرانسوا، الذي يقضي يومه في نبش القمامة لجمع علب البيرة الفارغة، يناقش الهوية الكيبيكية بثقة بروفيسور متقاعد من جامعة ماكغيل! المضحك أن هذه المفهوم مطاطي. كل شخص يفصّله على مقاس فهمه ونواياه ومصلحته. لذا، لا أحد يملك تعريفاً حقيقياً له.
ورغم هذا الضياع، يتعامل البعض مع الهوية الكيبيكية كأنها معادلة سحرية لتصنيع الذهب وجدوها في خزنة الجد القديمة، أو لوحة فنية يحظر على أحد النظر إليها قبل خضوعه لفحص الحمض النووي لإثبات خلو دمائه من جين "الغرباء"! فلنحاول فك شفرة هذا اللغز الذي يتحول فجأة من شعور وطني إلى ثقب أسود يبتلع كل شيء في طريقه. لتفكيك هذه المعضلة، دعونا نبدأ باللغة الفرنسية، تلك البقرة الحلوب التي تدافع عنها النخب مونتريال بالروح وبالدم، كأنها طفل رضيع يوشك على الغرق في محيط من "الملح الإنجليزي". والمفارقة هنا صارخة. فالفرنسية ليست حكراً على من ينتمي إلى الأمة الكيبيكية. فبنت "قعقعية الجسر" أو ابن "كوثرية السياد" في جنوب لبنان، بالرغم أنهما لم يريا ثلوج كيبيك في حياتهما، يتحدثان فرنسية باريسية أفضل بكثير من مواطن قادم من أعماق "لاك سان جان" أو "شيبوغامو"،
اما إذا تجاوزنا اللغة وفكرنا بالدين لربط الكيبيكي بالهوية، فهنا الطامة الكبرى. إذ كيف نعتمد الدين كمعيار في مجتمع قضى نصف القرن الماضي يركض هرباً من "قمباز" المونسنيور؟ فأحفاد "جان تالون" الحاليين لا يدخلون الكنيسة إلا افقيا ومحمولين على الاكتاف في جنازة، أو مجبرين في حفل زفاف. وحتى في هذه الحالات، يتمنون لو كان بإمكانهم إرسال بديل عنهم لحضور القداديس!
أما إذا عرجنا على الجغرافيا؟ فهذه والله نكتة سمجة. فاستئجار شقة في مونتريال لا يربطك بـ"الأمة الكيبيكية" كما يربط الحبل الدراجة بعامود الكهرباء، بل يربطك حتما بـ"صاحب العقار" المتربص بك أول كل شهر، كالنمر الكامن لفريسته! كما إن قضاء ليلة في "سان دنيس" لا يجعلك كيبيكياً، تماماً كما أن نومك في مصحة نفسية لا يحولك إلى طبيبٍ نفسي! ستظل مجرد نزيل يدفع الكلفة، أو حتة مريض بحاجة إلى علاج!
إذن، هل الحل في "مسقط الرأس" ومكان الولادة؟ هنا ندخل سرداباً عراقياً متعدد التعرجات والدهاليز الملتوية! فالطفل الذي يولد هنا يدخل نادي "الأمة الكيبيكية" تلقائياً، حتى لو كانت الكلمة الوحيدة التي يتقنها هي صراخه المتواصل، ولن ينطق "بونجور" ابدا. أما القادم الجديد، المسكين الذي أفنى زهرة شبابه هنا، فعليه أن يخوض حرب "داحس والغبراء" الإدارية، ويقدم أوراقاً تكفي لطباعة موسوعة، ويحلف بأنه يحلم بصوص "البوتين" ليليا، فقط ليثبت أنه ليس مجرد عابر سبيل، بل مواطن يحمل هموم الضرائب الكيبيكية في قلبه وعقله وروحه!
ثم نصل إلى أم المعارك: من يملك الختم السحري الذي يحدد من هو "الكيبيكي الأصلي" ومن هو "الكيبيكي اللبناني"؟ من يرسم الخط الفاصل بين "النحن" و"الهم"؟ هل هو رئيس الوزراء في مؤتمراته الصحفية المتجهمة؟ أم موظف الهجرة الذي يمنحك ورقة رسمية فتنبت جذورك الكيبيكية فجأة من تحت أسفلت طريق الزفت المتشقق؟ أم رئيس البلدية الذي يوزع ابتسامات انتخابية ليبارك انضمامك للقبيلة؟ ولنفترض جدلاً أن سلطة ما، وليكن موظف البريد في صيدلية "جان كوتو"، ختم أوراقك وقرر أنك أصبحت كيبيكياً رسمياً. هل ستخرج الجماهير عند رؤيتك إلى الشرفات بالزغاريد والصلبان الخشبية هاتفة: "هللويا، هللويا، ولد لنا كيبيكي جديد"! طبعاً لا! فالحقيقة أن الدولة تملك الأوراق، لكن المجتمع يملك العيون. الدولة تمنحك ختماً بحبر ظاهر، والمجتمع يملك ختماً سريا يُطبع على جبهتك. بمجرد أن يلمحوا اسماً غريباً في سيرتك الذاتية، أو لكنة "مكسّرة" في نطقك، أو ملامح لم تلفحها ثلوج الشتاء الزمهرير، سيأتيك الجواب المصحوب بابتسامة صفراء: "على الورق، نعم، أنت كيبيكي، لكن في الحقيقة، من أين أنت أصلاً و "مِنين قرعة بيك"؟ وهنا تحديداً تكمن المشكلة. الدولة تعمل بالمراسيم، والقوانين، والمهل الزمنية. انت، بالنسبة للحكومة، رقم في ملف يتنقل بين المكاتب. لكن المجتمع الكيبيكي الذي لا يعترف لا بالملفات ولا بالسنين ولا بما يحزنون. له "عداده الخاص للهوية" يعمل به بمزاجية. فبعض المواطنين يحتاجون عشرين سنة من دفع الضرائب والابتسام في وجه الصقيع ليُنظر إليهم باعتبارهم "من أهل البيت"، وبعضهم يحتاج جيلاً كاملاً ليمحو نبرة صوته الغريبة، وبعضهم الآخر لو عاش هنا منذ عصر "ليرة الخشب" وحتى يوم يزوره فيه ملك الموت، لن يكفيه هذا كله ليقنع جاره أنه ليس سائحاً ضل طريقه في عاصفة ثلجية، فرمته الأقدار على قارعة "كوت دي نيج"!
ثم نصل إلى السؤال الأكثر مرارة: هل يكفي أن تشعر أنت داخلياً بالانتماء لتصبح كيبيكياً؟ هل يكفي أن تستيقظ صباحاً، وتنظر في المرآة وتقول بثقة: "خلاص، من اليوم وصاعداً أنا كيبيكي أصلي أباً عن جد"؟ ففي عالم الهويات المعاصرة والمبعثرة، يُفترض أن تكون الإجابة "نعم، طبعاً"! لكن الواقع له كلمة أخرى، فهو يصفعك كالعادة. فالهوية ليست زراً تضغطه في تطبيق هاتفي، بل هي رقصة "تانغو" ثنائية بينك وبين المجتمع. أنت تصرخ بحماس: "أنا أنتمي!"، فيرد المجتمع ببرود: "نراك في المشمش". وكأن انتماءك ليس شعوراً إنسانياً، بل معاملة إدارية تنتظر ختماً إضافياً من موظف خرج في إجازة مرضية ممددة! وحتى لو فرضنا، على أساس أن المعجزات قد تحدث أحياناً، وأن المجتمع قبلك، والدولة بصمت لك، والفرنسية أتقنتها، وقيم السيادة والحرية والجندرية وأقواس القزح قد تبنيتها، فهل يصبح صك الغفران هذا أبدياً؟ هل ستتساوى بأحفاد جاك كارتييه الذين يسافرون إلى بلاد الواق واق يقضون فيها السنين ويعودون دون أن يجرؤ أحد على التشكيك في جيناتهم الكيبيكية؟ بالطبع لا! انتماؤك أنت يأتي مع "تاريخ انتهاء صلاحية" يشبه علب الحليب سريعة العطب. بمجرد أن تسافر لقضاء إجازة قصيرة في بلدك الأم، أو تختلف قليلاً عن الصورة النمطية المرسومة لك، يتبخر الانتماء وتخضع أوراقك السلوكية للمراجعة والتدقيق!
في المحصلة، الانتماء للأمة الكيبيكية ليس لغة، ولا نسباً، ولا جغرافيا، ولا شعوراً. إنه "طبخة هلامية" معقدة لا أحد يملك وصفتها السحرية. القانون يضع شروطاً صعبة، والسياسيون يبيعون أوهاماً انتخابية، والمؤسسات تطبع كتيبات إرشادية، لكن الحكم الأخير يبقى في يد المجتمع. والمجتمع كما نعلم لا يرحم، ومزاجي ومتقلب، لا يملك دليل استخدام واضحاً! ولهذا السبب، يجد المهاجرون أنفسهم واقفين في طابور طويل يشبه طوابير الانتظار في المستشفيات الحكومية؛ بلا رقم انتظار، وبلا موظف يظهر خلف الشباك، وبلا أي ضمانة بأن يأتي دورهم قبل أن يصل قبّاض الأرواح! لكن المفارقة أن الجميع يتحدث بثقة عمياء عن شروط الانتماء، بينما لم يطّلع لا إنسٌ ولا جان على دفتر الشروط المجتمعي هذا! وربما، فقط ربما، لا وجود لذلك الدفتر أصلاً، بل هو مجرد مزاج جماعي متقلب يُملي أحكامه وفق الظروف والهوى! والظروف في هذه الأيام عنصرية، صعبة ويمنية الهوى!
جاء هذا المقال في أعقاب التجمّع الذي نُظّم يوم السبت في شاوينيغان تحت شعار "كيبك بيضاء"، والذي لا يمثّل سوى رأس جبل الجليد لنظرة غير مرحِّبة كامنة في أوساط كيبيكية. نظرة تتغذّى وتتمدّد كلما وجدت من ينفخ فيها من النخب. وما أكثر هذه النخب التي لا تزدهر إلا حين تجد مهاجراً تُعلّق عليه خطاياها، وتبني من وجوده خطاباً يدرّ عليها نفوذاً وصوتا.
هويةٌ المهاجر تُمنح بالورق، وتُنتزع بالنظرات، وتبقى معلّقة بين قبول بارد ورفض صامت، هذه هي الحال، في كيبيك، حيث أصبحت "الأمة الكيبيكية" مثل وصفة الكبة. الجميع يفتي فيها والكل "يبل إيده فيها". السياسي يبيعها في حملته، والإعلامي يحللها في مقالاته، والناشط يصرخ بها في مظاهراته. حتى جاري، فرانسوا، الذي يقضي يومه في نبش القمامة لجمع علب البيرة الفارغة، يناقش الهوية الكيبيكية بثقة بروفيسور متقاعد من جامعة ماكغيل! المضحك أن هذه المفهوم مطاطي. كل شخص يفصّله على مقاس فهمه ونواياه ومصلحته. لذا، لا أحد يملك تعريفاً حقيقياً له.
ورغم هذا الضياع، يتعامل البعض مع الهوية الكيبيكية كأنها معادلة سحرية لتصنيع الذهب وجدوها في خزنة الجد القديمة، أو لوحة فنية يحظر على أحد النظر إليها قبل خضوعه لفحص الحمض النووي لإثبات خلو دمائه من جين "الغرباء"! فلنحاول فك شفرة هذا اللغز الذي يتحول فجأة من شعور وطني إلى ثقب أسود يبتلع كل شيء في طريقه. لتفكيك هذه المعضلة، دعونا نبدأ باللغة الفرنسية، تلك البقرة الحلوب التي تدافع عنها النخب مونتريال بالروح وبالدم، كأنها طفل رضيع يوشك على الغرق في محيط من "الملح الإنجليزي". والمفارقة هنا صارخة. فالفرنسية ليست حكراً على من ينتمي إلى الأمة الكيبيكية. فبنت "قعقعية الجسر" أو ابن "كوثرية السياد" في جنوب لبنان، بالرغم أنهما لم يريا ثلوج كيبيك في حياتهما، يتحدثان فرنسية باريسية أفضل بكثير من مواطن قادم من أعماق "لاك سان جان" أو "شيبوغامو"،
اما إذا تجاوزنا اللغة وفكرنا بالدين لربط الكيبيكي بالهوية، فهنا الطامة الكبرى. إذ كيف نعتمد الدين كمعيار في مجتمع قضى نصف القرن الماضي يركض هرباً من "قمباز" المونسنيور؟ فأحفاد "جان تالون" الحاليين لا يدخلون الكنيسة إلا افقيا ومحمولين على الاكتاف في جنازة، أو مجبرين في حفل زفاف. وحتى في هذه الحالات، يتمنون لو كان بإمكانهم إرسال بديل عنهم لحضور القداديس!
أما إذا عرجنا على الجغرافيا؟ فهذه والله نكتة سمجة. فاستئجار شقة في مونتريال لا يربطك بـ"الأمة الكيبيكية" كما يربط الحبل الدراجة بعامود الكهرباء، بل يربطك حتما بـ"صاحب العقار" المتربص بك أول كل شهر، كالنمر الكامن لفريسته! كما إن قضاء ليلة في "سان دنيس" لا يجعلك كيبيكياً، تماماً كما أن نومك في مصحة نفسية لا يحولك إلى طبيبٍ نفسي! ستظل مجرد نزيل يدفع الكلفة، أو حتة مريض بحاجة إلى علاج!
إذن، هل الحل في "مسقط الرأس" ومكان الولادة؟ هنا ندخل سرداباً عراقياً متعدد التعرجات والدهاليز الملتوية! فالطفل الذي يولد هنا يدخل نادي "الأمة الكيبيكية" تلقائياً، حتى لو كانت الكلمة الوحيدة التي يتقنها هي صراخه المتواصل، ولن ينطق "بونجور" ابدا. أما القادم الجديد، المسكين الذي أفنى زهرة شبابه هنا، فعليه أن يخوض حرب "داحس والغبراء" الإدارية، ويقدم أوراقاً تكفي لطباعة موسوعة، ويحلف بأنه يحلم بصوص "البوتين" ليليا، فقط ليثبت أنه ليس مجرد عابر سبيل، بل مواطن يحمل هموم الضرائب الكيبيكية في قلبه وعقله وروحه!
ثم نصل إلى أم المعارك: من يملك الختم السحري الذي يحدد من هو "الكيبيكي الأصلي" ومن هو "الكيبيكي اللبناني"؟ من يرسم الخط الفاصل بين "النحن" و"الهم"؟ هل هو رئيس الوزراء في مؤتمراته الصحفية المتجهمة؟ أم موظف الهجرة الذي يمنحك ورقة رسمية فتنبت جذورك الكيبيكية فجأة من تحت أسفلت طريق الزفت المتشقق؟ أم رئيس البلدية الذي يوزع ابتسامات انتخابية ليبارك انضمامك للقبيلة؟ ولنفترض جدلاً أن سلطة ما، وليكن موظف البريد في صيدلية "جان كوتو"، ختم أوراقك وقرر أنك أصبحت كيبيكياً رسمياً. هل ستخرج الجماهير عند رؤيتك إلى الشرفات بالزغاريد والصلبان الخشبية هاتفة: "هللويا، هللويا، ولد لنا كيبيكي جديد"! طبعاً لا! فالحقيقة أن الدولة تملك الأوراق، لكن المجتمع يملك العيون. الدولة تمنحك ختماً بحبر ظاهر، والمجتمع يملك ختماً سريا يُطبع على جبهتك. بمجرد أن يلمحوا اسماً غريباً في سيرتك الذاتية، أو لكنة "مكسّرة" في نطقك، أو ملامح لم تلفحها ثلوج الشتاء الزمهرير، سيأتيك الجواب المصحوب بابتسامة صفراء: "على الورق، نعم، أنت كيبيكي، لكن في الحقيقة، من أين أنت أصلاً و "مِنين قرعة بيك"؟ وهنا تحديداً تكمن المشكلة. الدولة تعمل بالمراسيم، والقوانين، والمهل الزمنية. انت، بالنسبة للحكومة، رقم في ملف يتنقل بين المكاتب. لكن المجتمع الكيبيكي الذي لا يعترف لا بالملفات ولا بالسنين ولا بما يحزنون. له "عداده الخاص للهوية" يعمل به بمزاجية. فبعض المواطنين يحتاجون عشرين سنة من دفع الضرائب والابتسام في وجه الصقيع ليُنظر إليهم باعتبارهم "من أهل البيت"، وبعضهم يحتاج جيلاً كاملاً ليمحو نبرة صوته الغريبة، وبعضهم الآخر لو عاش هنا منذ عصر "ليرة الخشب" وحتى يوم يزوره فيه ملك الموت، لن يكفيه هذا كله ليقنع جاره أنه ليس سائحاً ضل طريقه في عاصفة ثلجية، فرمته الأقدار على قارعة "كوت دي نيج"!
ثم نصل إلى السؤال الأكثر مرارة: هل يكفي أن تشعر أنت داخلياً بالانتماء لتصبح كيبيكياً؟ هل يكفي أن تستيقظ صباحاً، وتنظر في المرآة وتقول بثقة: "خلاص، من اليوم وصاعداً أنا كيبيكي أصلي أباً عن جد"؟ ففي عالم الهويات المعاصرة والمبعثرة، يُفترض أن تكون الإجابة "نعم، طبعاً"! لكن الواقع له كلمة أخرى، فهو يصفعك كالعادة. فالهوية ليست زراً تضغطه في تطبيق هاتفي، بل هي رقصة "تانغو" ثنائية بينك وبين المجتمع. أنت تصرخ بحماس: "أنا أنتمي!"، فيرد المجتمع ببرود: "نراك في المشمش". وكأن انتماءك ليس شعوراً إنسانياً، بل معاملة إدارية تنتظر ختماً إضافياً من موظف خرج في إجازة مرضية ممددة! وحتى لو فرضنا، على أساس أن المعجزات قد تحدث أحياناً، وأن المجتمع قبلك، والدولة بصمت لك، والفرنسية أتقنتها، وقيم السيادة والحرية والجندرية وأقواس القزح قد تبنيتها، فهل يصبح صك الغفران هذا أبدياً؟ هل ستتساوى بأحفاد جاك كارتييه الذين يسافرون إلى بلاد الواق واق يقضون فيها السنين ويعودون دون أن يجرؤ أحد على التشكيك في جيناتهم الكيبيكية؟ بالطبع لا! انتماؤك أنت يأتي مع "تاريخ انتهاء صلاحية" يشبه علب الحليب سريعة العطب. بمجرد أن تسافر لقضاء إجازة قصيرة في بلدك الأم، أو تختلف قليلاً عن الصورة النمطية المرسومة لك، يتبخر الانتماء وتخضع أوراقك السلوكية للمراجعة والتدقيق!
في المحصلة، الانتماء للأمة الكيبيكية ليس لغة، ولا نسباً، ولا جغرافيا، ولا شعوراً. إنه "طبخة هلامية" معقدة لا أحد يملك وصفتها السحرية. القانون يضع شروطاً صعبة، والسياسيون يبيعون أوهاماً انتخابية، والمؤسسات تطبع كتيبات إرشادية، لكن الحكم الأخير يبقى في يد المجتمع. والمجتمع كما نعلم لا يرحم، ومزاجي ومتقلب، لا يملك دليل استخدام واضحاً! ولهذا السبب، يجد المهاجرون أنفسهم واقفين في طابور طويل يشبه طوابير الانتظار في المستشفيات الحكومية؛ بلا رقم انتظار، وبلا موظف يظهر خلف الشباك، وبلا أي ضمانة بأن يأتي دورهم قبل أن يصل قبّاض الأرواح! لكن المفارقة أن الجميع يتحدث بثقة عمياء عن شروط الانتماء، بينما لم يطّلع لا إنسٌ ولا جان على دفتر الشروط المجتمعي هذا! وربما، فقط ربما، لا وجود لذلك الدفتر أصلاً، بل هو مجرد مزاج جماعي متقلب يُملي أحكامه وفق الظروف والهوى! والظروف في هذه الأيام عنصرية، صعبة ويمنية الهوى!
76 مشاهدة
01 يونيو, 2026
61 مشاهدة
31 مايو, 2026
98 مشاهدة
26 مايو, 2026