في خطوة تهدف إلى تعزيز العلاقة بالكتاب الورقي وتعزيز الثقافة الدينية، نظّم المجمع الإسلامي في مونتريال معرض الكتاب الأول يوم السبت 6 حزيران/ يونيو 2026، بمشاركة عدد من المكتبات ودور النشر من مدن كندية عدة، بينها كينغستون وأوتاوا، إلى جانب مبادرات محلية من مونتريال، في خطوة تعكس تنوع الجهات المشاركة، وسط حضور لافت من مختلف الفئات العمرية، لا سيما الشباب.
ويأتي هذا المعرض كخطوة أولى في مشروع طويل الأمد للمجمّع الإسلامي في مونتريال لنشر المعرفة الدينية في وقت تتزايد فيه التحديات الثقافية والهوياتية أمام الشباب المسلم في كندا، إذ يبرز كمبادرة تسعى إلى إعادة الاعتبار للقراءة بوصفها أداة أساسية في بناء الوعي وتعزيز الانتماء. وجمع المعرض الإصدارات الدينية والفكرية إلى الأدب الموجّه للأطفال مع ركن خاص لفعاليات خاصة بالأطفال، والتقى فيه مؤلفون وناشرون وزوّار في مساحة مشتركة تجمع بين المعرفة والتجربة، وتفتح باب الحوار حول دور الكتاب في تشكيل الهوية ومواجهة التحديات الثقافية.
كان لـ"صدى المشرق" حديث مع منظّمي المعرض وعدد من المشاركين فيه وزوّاره، عكس من خلاله تنوّع الرؤى والتجارب المرتبطة بهذه المبادرة.

جنى الحاج سليمان: ارتفاع تكاليف شحن الكتب يشكّل عائقًا أمام القرّاء، ما يجعل المعرض فرصة مهمة لاقتناء الكتب محليًا بأسعار مناسبة
قالت جنى الحاج سليمان، مسؤولة النشاطات في المجمع الإسلامي، إن فكرة المعرض انطلقت من وجود مكتبة غنية داخل المجمع، موضحةً: "لدينا في المجمع الإسلامي مكتبة فيها الكثير من الكتب، ففكّرنا بتنظيم فعالية تُعرّف الناس بالكتب بطريقة جذابة"، مشيرة إلى أن المبادرة جاءت بناءً على اقتراح من الشيخ أحمد سلمان. وأضافت أن الهدف الأساسي تمثّل في "تقريب الكتب من الجمهور وتشجيعهم على اكتشافها والاهتمام بها".
وأكدت الحاج سليمان أن المجمع يحتضن مكتبة دائمة تتيح للزوار شراء الكتب أو استئجارها، معربة عن أملها في أن تحظى بتعريف أوسع في المستقبل. كما شددت على أن من بين أهداف المعرض تسهيل الوصول إلى الكتب، خاصة في ظل التحديات المرتبطة بالشراء عبر الإنترنت، حيث أوضحت: "لاحظنا أن الكثير من الناس يواجهون صعوبة في طلب الكتب عبر الإنترنت بسبب تكاليف الشحن المرتفعة، لذلك أردنا جمع عدد من المكتبات في مكان واحد".
وفي هذا السياق، تقول الحاج سليمان أنهم عملوا على توفير بيئة مناسبة للعائلات، من خلال تخصيص ركن للأطفال (Kids Corner)، إلى جانب عرض كتب تناسب مختلف الأعمار. ولفتت الحاج سليمان إلى أن بعض القرّاء يفضلون تصفّح الكتب مباشرة قبل شرائها، ما يعزز أهمية المعرض كمساحة تفاعلية.
وذكرت الحاج سليمان أن محتويات الدورة الأولى تركزت بشكل أساسي على الكتب الدينية، خصوصًا الإسلامية، إضافة إلى كتب الأطفال، مع تطلعات مستقبلية لتوسيع نطاق المواضيع لتشمل قضايا الهوية والسكان الأصليين ومجالات معرفية أخرى.
وعن الفئة الأكثر اهتمامًا، أوضحت الحاج سليمان أن الإقبال الأكبر كان من فئة الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 16 و22 عامًا، إلى جانب حضور ملحوظ من العائلات. كما توفرت الكتب بعدة لغات، من بينها العربية والفرنسية والإنكليزية، مع وجود بعض العناوين بلغات أخرى.
ورأت الحاج سليمان أن هناك حاجة فعلية لمثل هذه الفعاليات، مشيرة إلى نقص في توفر بعض أنواع الكتب، خاصة الدينية، مؤكدة أن المعرض لا يقتصر على البيع، بل يسعى أيضًا إلى نشر الثقافة وتشجيع القراءة.
ولم تقتصر فعاليات المعرض على عرض الكتب، بل تضمنت أركانًا ثقافية وإعلامية وأنشطة فنية، مثل ورشات تصميم الفواصل (Bookmarks)إضافة إلى مسابقات تفاعلية تهدف إلى تعزيز معرفة الزوار بالثقافة والعلوم الفنية والدينية.
وفيما يتعلق بالتحديات، أشارت إلى أن ارتفاع تكاليف شحن الكتب، خصوصًا من الولايات المتحدة والمملكة المتحدة، يشكّل عائقًا أمام القرّاء، ما يجعل المعرض فرصة مهمة لاقتناء الكتب محليًا بأسعار أكثر مناسبة.
وحول مستقبل الكتاب الورقي، أعربت الحاج سليمان عن تفاؤلها باستمراره، رغم انتشار الأجهزة الرقمية، قائلة: "لا أعتقد أن الإقبال على الكتاب الورقي يتراجع"، موضحة أن بعض الكتب، خاصة الدينية، لا تتوفر بسهولة بصيغ رقمية، فضلًا عن أن تجربة القراءة الورقية تبقى أكثر تفاعلًا.
وكشفت عن خطط مستقبلية لتطوير المعرض ليصبح فعالية تمتد على عدة أيام، مع تنظيم ندوات ومحاضرات وأمسيات ثقافية، إلى جانب توسيع المواضيع لتشمل مجالات سياسية وعلمية متنوعة، واستقطاب جمهور أوسع من مختلف الجاليات، انطلاقًا من أن "حب القراءة لا يقتصر على فئة معينة".
واختتمت الحاج سليمان بدعوة الجمهور إلى الاهتمام بالقراءة، قائلة: "أنصح الجميع بالقراءة، خاصة من الكتب الورقية، لما فيها من متعة وتركيز بعيدًا عن المشتتات الرقمية"، داعيةً إلى زيارة المعرض والمشاركة في هذه التجربة الثقافية.
ريان حطيط: فوجئت بحجم الاهتمام... هناك بالفعل مجتمع قارئ
تشارك السيدة ريان حطيط في المعرض من خلال مكتبتها الإلكترونية، وكانت أحد المبادرين لتنظيم معرض للكتاب في مونتريال، تقول: "الفكرة لم تكن وليدة اللحظة، بل جاءت نتيجة تجارب سابقة، إذ شاركت في معارض أُقيمت في أوتاوا، وتمنّيت أن تنتقل هذه التجربة إلى مونتريال"، مشيرة إلى أنها لم تتوقع حجم المشاركة الواسع من المكتبات.
لكن بداية حطيط مع الكتب تعود إلى دافع شخصي، حيث واجهت صعوبة في إيجاد محتوى مناسب لأطفالها. وتوضح: "كنت أواجه صعوبة في العثور على كتب مناسبة لهم، خاصة كتب تعكس منظورنا الثقافي والديني"، ما دفعها إلى البحث عن هذه الكتب بشكل فردي قبل أن تتحول الفكرة إلى مشروع مكتبة.
وبحسب حطيط، فإن بعض المكتبات كانت توفر كتبًا عامة، لكنها تفتقر إلى محتوى يعالج موضوعات دينية أو ثقافية من منظور قريب إلى هوية العائلات العربية والمسلمة. ومن هنا بدأت باستيراد الكتب لأطفالها، قبل أن توسّع المشروع ليخدم المجتمع، بدعم من زوجها.
وتشير إلى أن المشروع بدأ كمكتبة إلكترونية، حيث اقتصرت العناوين في البداية على اللغتين العربية والإنكليزية، قبل أن يتوسع ليشمل اللغة الفرنسية، استجابة لخصوصية المجتمع في مونتريال. وقد تم استيراد الكتب من عدة دول، منها بريطانيا ولبنان وإيران.
ورغم أن الإقبال كان كبيرًا، كما تقول: "فوجئت بحجم الاهتمام... هناك بالفعل مجتمع قارئ"، إلا أن المشروع اصطدم بعقبة كبيرة تمثلت في مشاكل الشحن. إذ تعرضت شحنة كبيرة للاحتجاز في الجمارك بسبب احتوائها على مواد متنوعة، وأُعيدت لاحقًا إلى لبنان، حيث لا تزال عالقة منذ سنوات.
وتوضح حطيط أن هذه الحادثة تسببت بخسارة مالية كبيرة أثّرت بشكل مباشر على استمرارية المشروع، مؤكدة أن استيراد الكتب "يتطلب رأس مال كبيرًا ومخاطرة عالية"، خاصة في ظل ضرورة شراء كميات كبيرة للحصول على أسعار مناسبة.
كما ترى أن الإقبال على الكتب كان متفاوتًا بين الفئات العمرية، حيث كان الشباب الأكثر اهتمامًا، في حين كان الإقبال أقل من الفئات الأكبر سنًا.
سحر جابر: نقدّم كتبًا تطرح أسئلة حقيقية
في المقابل، تمثل تجربة سحر جابر نموذجًا مختلفًا في عالم النشر، حيث أسست دار "التين والزيتون" (Figs & Olives) لإنتاج كتب موجهة للأطفال واليافعين، بمحتوى يعالج قضايا معاصرة بأسلوب فكري.
وترى جابر أن نجاح كتبها يعود إلى عاملين أساسيين، إذ تقول: "السبب يعود إلى الإخلاص في العمل، ووجود حاجة حقيقية لدى الناس إلى محتوى جديد"، مشيرة إلى أن القرّاء يبحثون عن كتب تتجاوز السرد التقليدي، وتعالج أسئلة واقعية يعيشها الأطفال.
وتضيف: "نحن نقدّم كتبًا تطرح أسئلة حقيقية، مثل: لماذا نصلي؟ ولماذا الحجاب مهم؟"، معتبرة أن هذه الكتب تفتح باب الحوار بين الأطفال وأسرهم، خاصة في القضايا التي قد يتردد الأطفال في طرحها مباشرة.
وتؤكد جابر أن دارها ليست مجرد جهة توزيع، بل تعمل على إنتاج محتوى أصلي باللغة الإنكليزية، وليس مترجمًا، بهدف مخاطبة الأطفال في بيئتهم اللغوية. كما تسعى إلى تقديم كتب يمكن إدراجها ضمن المناهج التعليمية، خصوصًا في مادة اللغة الإنكليزية، بحيث تجمع بين تعلم اللغة والمحتوى المعرفي.
لكن هذا التوجه النوعي يأتي بتكلفة مرتفعة، إذ تكشف جابر أن إنتاج الكتاب الواحد "قد يتجاوز أربعين ألف دولار"، ما ينعكس على سعره النهائي. ورغم ذلك، تؤكد أن الحفاظ على الجودة يبقى أولوية، مضيفة: "نفضّل الحفاظ على مستوى عالٍ من الجودة بدلًا من التركيز على الكمية".
ورغم ارتفاع الأسعار، تشير إلى وجود إقبال جيد على الكتب، خاصة من الفئة العمرية بين 7 و14 عامًا، وغالبًا ما يكون الأهل هم من يشترون الكتب، بينما يعبّر الأطفال عن رغبتهم بها.
كما تعمل الدار على تعزيز تجربة القراءة من خلال إضافة عناصر تفاعلية، مثل الهدايا المرتبطة بمحتوى الكتاب، بهدف جعل القراءة تجربة أكثر ارتباطًا بحياة الطفل.
نور هيثم: هدفي ليس الربح بقدر ما هو نشر المعرفة
تقول نور هيثم، مؤلفة سلسلة "مالك وهنا"، إن فكرة مشروعها انطلقت من تجربة شخصية يومية مع أطفالها، موضحة: "أنا أم لطفلين، وكنت أروي لهما قصصًا قبل النوم، فخطرت لي فكرة تحويل هذه القصص إلى كتب". وتشير إلى أن ملاحظتها لنقص الكتب الإسلامية المكتوبة باللغة الفرنسية شكّلت دافعًا أساسيًا لإطلاق المشروع، خاصة أن أطفالها يتحدثون هذه اللغة.
وتضيف أن الهدف لم يكن تجاريًا بحتًا، بل تربويًا بالدرجة الأولى، إذ تقول: "الهدف كان أن يستفيد أطفالي والأطفال الآخرين من هذه الكتب"، معتبرة ذلك "نعمة".
تعتمد السلسلة على شخصيتين رئيسيتين هما "مالك" و"هنا"، المستوحاتين من أسماء أطفالها، حيث توضح: "من خلالهما، يتعرّف الأطفال على أهل البيت، وعلى مفاهيم الإسلام، وكيف يكونون فخورين بهويتهم"، خاصة في سياق العيش في مجتمع غربي مثل كندا. وتشمل القصص شخصيات دينية مثل الإمام المهدي والإمام الحسين والإمام علي الهادي، إلى جانب مواقف حياتية يومية، كأجواء الأعياد في المدارس.
وتؤكد هيثم أن الطابع الديني حاضر بقوة في أعمالها، مشيرة إلى أن "معظم الكتب ذات طابع ديني"، سواء بشكل عام أو مرتبط بسرديات أهل البيت. وفي ما يتعلق بالإخراج الفني، توضح أن تصميم الأغلفة الجذابة للأطفال يترتب عليه تكلفة، لكنها تضيف: "هدفي ليس الربح بقدر ما هو نشر المعرفة"، لافتة إلى أن المشروع بالنسبة لها عمل جانبي إلى جانب وظيفتها الأساسية.
وتوضح أن كتبها متاحة بشكل رئيسي عبر الإنترنت، من خلال منصة "أمازون"، إلى جانب منتجات رقمية قابلة للطباعة، مثل اللوحات التعليمية وحقائب الأنشطة المرتبطة بالمناسبات الدينية. وتشير إلى أن التفاعل مع المشروع "جيد"، رغم أن نموه "بطيء نسبيًا" نظرًا لكونه مشروعًا جانبيًا، معربة عن أملها في الوصول إلى جمهور أوسع من خلال المشاركة في المعارض.
وتصف مشاركتها في المعرض بأنها الأولى، مؤكدة أنها جاءت من أونتاريو إلى مونتريال خصيصًا لهذه التجربة، رغم بُعد المسافة، على أمل أن تسهم في التعريف بالمشروع وتوسيع انتشاره.
علي مشلب: هدفنا هو خدمة المجتمع في أميركا الشمالية، من خلال توفير الكتب الإسلامية ونشر معارف أهل البيت
من جانبه، يعرّف علي مشلب بمشروعه "City of Knowledge" بوصفه مكتبة متخصصة في الكتب الإسلامية باللغة الإنكليزية، مع طموح للتوسّع مستقبلًا. ويقول: "هدفنا هو خدمة المجتمع في أميركا الشمالية، من خلال توفير الكتب الإسلامية ونشر معارف أهل البيت".
ويشير إلى أن المشروع يعمل حاليًا بالكامل عبر الإنترنت، مع شحن من مونتريال، موضحًا: "لا نملك متجرًا فعليًا حاليًا، بل إلكترونيًا. لكننا نأمل افتتاح واحد في المستقبل".
ويستعيد مشلب بدايات الفكرة، التي انطلقت من تجربة شخصية، إذ يقول: "كنت أبحث عن كتب لقراءتها... لكنني لم أجدها بسهولة في أميركا الشمالية"، ما اضطره إلى طلبها من الخارج بتكاليف مرتفعة. ويضيف أن هذا الواقع دفعه إلى إنشاء المشروع "انطلاقًا من حاجة شخصية، وأيضًا لخدمة الآخرين"، معتبرًا عمله "واجبًا ثقافيًا ودينيًا".
ويقرّ بوجود تحديات تتعلق بضعف الإقبال على القراءة، لكنه يشير إلى محاولات لمعالجة ذلك من خلال توفير كتب مبسطة تناسب المبتدئين. كما يؤكد أن الهدف ليس ماديًا بالدرجة الأولى، موضحًا: "إذا استفاد عدد من الناس، حتى ولو كان محدودًا، فهذا بحد ذاته نجاح".
وفيما يتعلق بالجمهور، يلفت إلى أن الفئة الأكثر اهتمامًا تتراوح بين 17 و25 عامًا، خاصة من الشباب الذين نشأوا في الغرب، والذين يواجه بعضهم صعوبة في القراءة باللغة العربية. ويضيف أن هذه المرحلة العمرية تشهد طرح أسئلة جوهرية حول الدين والهوية، ما يجعل توفير محتوى مناسب أمرًا ضروريًا، مشيرًا إلى أنه عانى شخصيًا من هذا النقص في صغره.
وحول تطلعاته، يعرب مشلب عن أمله في أن يتوسع المعرض مستقبلًا، وألا يقتصر على الكتب فقط، بل يشمل منتجات ثقافية متنوعة. كما يؤكد أهمية أن يكون المعرض أكثر شمولًا، بحيث يجذب مختلف الجاليات، و"يمكن أن يكون ذلك مدخلًا لتعريف الآخرين بثقافتنا ومعتقداتنا، كما يعبّر.
ويختم بالإشارة إلى رغبته في إشراك أطياف متعددة ضمن الفعاليات، بما في ذلك مدارس وتوجهات مختلفة، في إطار تعزيز الوحدة الإسلامية وتقديم صورة أوضح عن المذهب من خلال الحوار والتواصل المباشر.
الشيخ أحمد سلمان: أهمية المعرض تنبع من مركزية القراءة في بناء الإنسان
أوضح أحمد سلمان، من المشاركين في المعرض وصاحب فكرة تنظيمه، أن المبادرة لم تكن فردية بالكامل، بل انطلقت من اقتراح سابق، إذ يقول: "تعود فكرة المعرض أساسًا إلى سماحة الشيخ علي سبيتي، الذي شارك سابقًا في معارض مشابهة بأوتاوا وأُعجب بالفكرة". وأضاف أنهم عملوا لاحقًا على نقل التجربة، من خلال التواصل مع اللجنة الإدارية في المجمع، التي وافقت على إطلاق المشروع.
ويرى سلمان أن أهمية المعرض تنبع من مركزية القراءة في بناء الإنسان، مؤكدًا أن "موضوع القراءة والكتاب يجب أن يكون أساسيًا في حياة الإنسان المؤمن"، مستشهدًا ببداية الوحي: "اقرأ"، للدلالة على مكانة العلم. ويشدد على أن هذا العلم يجب أن يكون نافعًا، موضحًا أنهم حرصوا على اختيار مكتبات تقدّم محتوى مفيدًا للشباب، والابتعاد عن أي مواد غير مناسبة.
كما يربط بين العلم والقيم الدينية، معتبرًا أن "من شروط العلم أيضًا أن يكون منطلقًا من التقوى"، في إشارة إلى ضرورة اقتران المعرفة بالأخلاق، بهدف بناء الفرد والمجتمع.
وفي ما يتعلق بطبيعة المعرض، يوضح أنه يركّز بشكل أساسي على الكتب الدينية، لكن دون أن يكون ذلك حصرًا، إذ يشير إلى وجود كتب فكرية وسِيَر وأعمال أخلاقية وتربوية، خاصة الموجّهة للأطفال، وهو ما يعكس، بحسب قوله، تنوعًا في الجوانب المعرفية المطروحة.
ويؤكد سلمان أهمية توسيع نطاق الخطاب ليشمل غير المسلمين، معتبرًا أن "هناك حاجة للتوجه أيضًا إلى الشباب غير المسلمين"، انطلاقًا من الإيمان بقدرتهم على التفاعل مع القيم الإنسانية المشتركة. ويضيف أن المرحلة الحالية تركز على دعم الشباب المسلم في الغرب، لمساعدتهم على مواجهة التحديات وبناء شخصية متماسكة قادرة على التأثير في محيطها.
وفي سياق الحديث عن أساليب الدعوة، يشير إلى تجارب واقعية قائمة على السلوك، موضحًا أن أحد الشباب استطاع التأثير في غير المسلمين من خلال أخلاقه دون التصريح بهويته الدينية، ما دفع الآخرين للتساؤل عن مصدر هذه القيم، وهو ما أدى، بحسب قوله، إلى "اعتناق عدد من الشباب الإسلام نتيجة هذا الأسلوب".
وفي تقييمه لدور الشباب، يؤكد سلمان أن حماية القيم لا تتحقق بعامل واحد، بل بمنظومة متكاملة، قائلًا: "لا يمكننا القول إن عنصرًا واحدًا كافٍ"، موضحًا أن الأسرة تشكّل الأساس الأول، تليها المدرسة، ثم الرفقة، التي يعتبرها من أكثر العوامل تأثيرًا في سلوك الشباب. كما يشير إلى دور المراكز الدينية والكتاب، إلى جانب أهمية التوكل على الله والدعاء.
وعلى صعيد مشاركته الشخصية في المعرض من خلال كتب صدرت له، أوضح أن كتبه تأتي تحت عنوان واحد "أثر تسعون نبضًا"، وتهدف إلى معالجة حالات الفراغ الروحي والضيق النفسي، من خلال برنامج تدريجي لتطهير القلب وبناء العلاقة مع الله. ويشرح أن الكتب الثلاثة عبارة عن برنامج يومي يمتد لتسعين يومًا، يحتوي على مضامين أخلاقية وروحية قصيرة تساعد القارئ على الالتزام العملي.
وأكد أن العمل موجّه بشكل أساسي إلى الشباب، وقد تم تصميمه بطريقة مبسطة، بحيث "لا يشعر القارئ بالملل أو التعقيد"، مع تنظيم المحتوى ضمن خطة واضحة تساعد على الاستمرارية. كما أشار إلى الاهتمام بالتصميم البصري للكتاب، بالتعاون مع مختصين، بهدف خلق تجربة قراءة محفزة.
وفيما يتعلق بالتفاعل، كشف سلمان أن المشروع شهد مشاركة أكثر من 230 شخصًا، بينهم أكثر من 215 من مونتريال، وهو ما فاق التوقعات، رغم أن الهدف كان الوصول إلى جمهور أوسع نظرًا لكون العمل باللغة الإنكليزية. وأضاف أنهم اعتمدوا أسلوب المتابعة الجماعية عبر مجموعات تواصل، مع تقديم مواد داعمة، ليشعر المشاركون بأنهم جزء من برنامج متكامل.
وشدد على أن العمل الجماعي أكثر فاعلية من الفردي، موضحًا أن "العمل الفردي قد يكون مفيدًا، لكنه غير كافٍ أحيانًا"، لأن الجماعة توفّر الدعم والاستمرارية، وهو ما يعزز الالتزام.
وفيما يتعلق بمستقبل معرض الكتاب، أوضح الشيخ أحمد سلمان أن الخطط تتركز على معالجة قضايا الشباب في المجتمع، خاصة التحديات الاجتماعية، من خلال مقالات وورش عمل وأنشطة توعوية. وأضاف أنهم يسعون إلى تقديم بدائل فكرية وتربوية، مع تعزيز التعاون بين المراكز الإسلامية والمساجد والمؤسسات المختلفة، بهدف "توحيد الجهود لخدمة الشباب وحمايتهم"، ومساعدتهم على الاندماج الإيجابي في المجتمع.
***
وقد عبّر عدد من الزوّار لصدى المشرق عن رأيهم بالمعرض، فقالت زهرة كنعاني، وهي من أصول إيرانية، إن زيارتها شكّلت تجربة لافتة، خاصة أنها المرة الأولى التي تسمع فيها عن مثل هذا الحدث، معبّرة عن إعجابها بما شاهدته، إذ تضيف: "من الرائع جدًا أن أرى هذا العدد من الكتب القيّمة الصادرة عن المجتمع المسلم".
وأشارت إلى أن المعرض أتاح لها التعرف على دور نشر ومؤلفين لم تكن على علم بهم سابقًا، موضحة: "لم أكن على علم بوجود دور نشر من لبنان أو من المجتمع اللبناني تقدّم هذا النوع من الكتب"، معتبرة أن اللقاء المباشر مع بعض المؤلفين كان تجربة "مميزة جدًا".
كما لفت انتباهها تنوع المحتوى المعروض، خاصة الكتب الموجهة للأطفال، إلى جانب الأنشطة المرافقة، حيث قالت: "كان هناك تنوّع في الكتب، إضافة إلى الأنشطة المخصصة للأطفال"، مشيرة إلى مشاركة ابنها في إحدى المسابقات وفوزه بالمركز الأول، وهو ما وصفته بأنه "أمر جميل جدًا".
ورأت كنعاني أن هذه الفعاليات تلعب دورًا مهمًا في تعزيز ارتباط الأطفال والشباب بالدين، خاصة مع توفر الكتب بلغات متعددة، مضيفة: "أعتقد أن مثل هذه الفعاليات مهمة للأطفال والشباب، لأنها تشجّعهم على التعرّف أكثر إلى الدين".
في المقابل، لفتت إلى ضعف الترويج للمعرض، موضحة أنها علمت به في "اللحظة الأخيرة" عبر إحدى الأمهات في مدرسة ابنها، وترى أنه "لو تم الإعلان عنه بشكل أفضل، لكان الإقبال أكبر بكثير"، مؤكدة أن كثيرين كانوا سيحضرون لو علموا به مسبقًا.
وتقارن كنعاني هذه التجربة بواقع الجالية الإيرانية، مشيرة إلى غياب فعاليات مشابهة بهذا المستوى من التنظيم، رغم وجود اهتمام بتعليم اللغة الفارسية.
من جهتها، ترى نور خنافر، وهي زائرة أخرى للمعرض، أن تنظيم مثل هذه المبادرات يشكّل حاجة ملحّة، حيث تقول: "أرى أن هذا المعرض مهم جدًا، وقد كنا بحاجة إلى مثل هذه المبادرات منذ فترة طويلة"، مشيرة إلى دوره في تعزيز ثقافة القراءة والكتاب، خاصة من مصادرها الأصيلة.
وأكدت أن تنوع المعرض، خصوصًا في ما يتعلق بكتب الأطفال، يُعدّ عنصرًا أساسيًا في نجاحه، موضحة أن "ترسيخ حب القراءة يبدأ في سن مبكرة"، ما يجعل الاهتمام بهذه الفئة أمرًا ضروريًا.
وترى خنافر أن استمرارية مثل هذه الفعاليات أمر مهم، مشيرة إلى ضرورة تنظيمها بشكل دوري، إذ تقول: "من المهم أن يُقام هذا المعرض مرة واحدة سنويًا على الأقل"، لكنها تؤكد في الوقت نفسه أن الأهم هو أن تبقى الكتب متاحة طوال العام، لا أن يقتصر الوصول إليها على فترة المعرض.
وأضافت أن المعرض يوفّر فرصة للتعرّف إلى مؤسسات ومبادرات ثقافية قد لا تكون معروفة لدى الجمهور، ما يسهم في تسهيل الوصول إليها لاحقًا.
وفيما يتعلق بإقبال الشباب على القراءة، تشير خنافر إلى أن ذلك يرتبط بعوامل تربوية، لكنها تؤكد وجود اهتمام فعلي، خاصة بين الفتيات، موضحة: "هناك اهتمام موجود، خاصة بين الشباب"، مضيفة أن توفير الكتب بشكل أسهل وبمحتوى متنوع يمكن أن يعزز هذا التوجه.
وترى أن تنوع الخيارات مهم، بحيث لا يقتصر اهتمام القرّاء على الكتب الأجنبية أو القصص الخيالية، بل يشمل أيضًا الكتب الإسلامية، بما يحقق توازنًا في مصادر المعرفة، " إذا توفرت الكتب بشكل أسهل، مع تنوّع أكبر، فمن الطبيعي أن تتوجه الفتيات أكثر نحو الكتب الإسلامية، بدل الاكتفاء بالكتب الأجنبية أو القصص الخيالية، مع أن هذه أيضًا لها قيمتها، لكن من المهم وجود بدائل متنوعة".
4 مشاهدة
07 يونيو, 2026
459 مشاهدة
01 يونيو, 2026
169 مشاهدة
30 مايو, 2026