د. وفاء مروة ـ مونتريال
مع بداية كل عام دراسي، يعود أيلول حاملاً معه صورة اعتدناها في لبنان: مدارس تستعد لاستقبال طلابها، حقائب وكتب ودفاتر، معلمون ومعلمات يتهيأون للقاء طلابهم، ومديرو مدارس يضعون خططهم لتنظيم عام جديد، وأهل يحاولون تأمين ما يحتاج إليه أبناؤهم. إنها صورة تحمل في ظاهرها الفرح والبدايات، لكن خلف هذه الصورة واقعًا تربويًا وإنسانيًا مختلفًا، يفرض علينا أن نتوقف ونسأل: كيف يبدأ العام الدراسي في لبنان؟ وهل تكفي عودة الطلاب إلى مقاعدهم لنقول إن التعليم عاد إلى طبيعته؟
العام الدراسي في لبنان اليوم لا يمكن فصله عن الواقع الذي يعيشه المجتمع. فالأزمات المتراكمة، والظروف الأمنية، والنزوح، وتضرر عدد من المدارس، والانقطاع المتكرر عن التعليم، والضغوط الاقتصادية والاجتماعية، كلها عوامل تركت أثرها في المدرسة وفي الإنسان الذي يعيش داخلها. ولهذا فإن الحديث عن بداية العام الدراسي يجب ألا يقتصر على تحديد موعد فتح الأبواب، بل يجب أن يتناول ظروف هذه العودة، ومدى قدرة المدرسة على توفير بيئة آمنة ومستقرة تسمح للطفل بأن يتعلم.
هناك طلاب نزحوا من بيوتهم، وتركوا مدارسهم ورفاقهم، وعاشوا الويلات بدل أن يعيشوا طفولة طبيعية. طلابٌ كان من المفترض أن يحملوا حقائبهم وكتبهم، فإذا بهم يحملون ذاكرة الخوف والفقد والنزوح. بعضهم غادر منزله، وبعضهم ابتعد عن مدرسته، وبعضهم فقد الاستقرار الذي يحتاج إليه أي طفل كي ينمو ويتعلم. واليوم، عندما يُطلب منهم العودة إلى المدرسة، لا يمكن أن نتعامل معهم وكأن شيئًا لم يحدث. فالعودة إلى المقعد لا تعني بالضرورة العودة النفسية إلى الحياة الطبيعية.
ومن هنا تبدأ مسؤولية المدرسة.
مدير المدرسة ليس مجرد مسؤول إداري ينتظر وصول الطلاب في اليوم الأول. ففي الظروف الصعبة يصبح المدير قائدًا تربويًا يقف في مواجهة مجموعة كبيرة من التحديات. عليه أن ينظم المدرسة، ويتابع المعلمين، ويؤمّن بيئة آمنة، ويتواصل مع الأهل، ويراقب احتياجات الطلاب، ويتعامل مع الطوارئ، ويحافظ في الوقت نفسه على استمرارية التعليم. ولهذا فإن مدير المدرسة يحتاج إلى دعم حقيقي وصلاحيات وإمكانات تساعده على القيام بدوره، لأن الإدارة التربوية الناجحة في الأزمات تحتاج إلى قيادة قادرة على اتخاذ القرار، وعلى احتواء المشكلات، وعلى وضع الإنسان في قلب العملية التعليمية.
أما المعلم والمعلمة، فهما يواجهان تحديًا لا يقل أهمية. فالمعلم يدخل الصف وهو يحمل مسؤولية تعليم مجموعة من الأطفال، لكن هؤلاء الأطفال لا يدخلون جميعًا بالحالة النفسية والتعليمية نفسها. بينهم من فقد جزءًا من تعليمه، ومن عاش النزوح، ومن يحمل الخوف في ذاكرته، ومن يحتاج إلى وقت حتى يستعيد قدرته على التركيز والتفاعل. لذلك لا يمكن أن نطلب من المعلم أن يؤدي دوره بالطريقة التقليدية نفسها، بل يجب أن نمنحه التدريب والدعم ليتمكن من التعامل مع هذه المتغيرات.
المعلم اليوم ليس ناقلًا للمعلومات فقط. إنه ميسّر للتعلم، ومساند للطفل، وملاحظ لسلوكه، وقادر على اكتشاف حاجاته. وهو بحاجة إلى استراتيجيات تعليمية جديدة تساعده على معالجة الفاقد التعليمي، وإدارة الصف في الظروف الصعبة، واستخدام الأنشطة واللعب والقصة والعمل الجماعي والتعلم النشط لجعل الطفل أكثر تفاعلًا مع المدرسة. فالطفل الذي عاش تجربة صعبة قد يحتاج إلى أن يتعلم بطريقة مختلفة، أكثر مرونة وإنسانية، وأكثر ارتباطًا بحاجاته.
أما الطالب، فيجب أن يكون محور العملية التعليمية كلها. فالطالب ليس رقمًا في سجل الحضور، وليس مجرد متلقٍ للمنهج. إنه إنسان له مشاعر واحتياجات وأحلام. ولذلك فإن نجاح العام الدراسي لا يقاس فقط بعدد الطلاب الذين حضروا إلى المدرسة، بل بمدى قدرتهم على التعلم والشعور بالأمان والانتماء.
الطالب النازح خصوصًا يحتاج إلى عناية تربوية خاصة. يحتاج إلى أن يشعر أن المدرسة مكانه، وأن زملاءه يتقبلونه، وأن المعلم يفهم ظروفه، وأن الإدارة قادرة على مساعدته. كما يحتاج إلى معالجة الفجوات التي نتجت عن انقطاعه عن التعليم. فالفاقد التعليمي لا يختفي بمجرد عودة الطالب إلى الصف، بل يحتاج إلى تشخيص وخطة ومتابعة وصبر.
وهنا تبرز أهمية اعتماد أساليب تعليمية تجعل الطالب شريكًا في التعلم. فاللعب والقصة والرسم والأنشطة الحركية والعمل الجماعي والمشروعات يمكن أن تساعد الطفل على التعبير عن نفسه واستعادة ثقته وتطوير مهاراته. فاللعب في التعليم ليس ترفًا، بل يمكن أن يكون وسيلة تربوية وإنسانية تساعد الطفل على تجاوز بعض آثار التوتر والعودة تدريجيًا إلى عالم التعلم.
ولا يمكن أن تكتمل الصورة من دون الأسرة. فالأهل يعيشون هم أيضًا ظروفًا صعبة، ويتحملون أعباء التعليم والنقل والكتب والقرطاسية، ويعيشون القلق على مستقبل أبنائهم. لكن الأسرة ليست فقط جهة تؤمّن المستلزمات، بل هي شريك أساسي في العملية التعليمية. وكلما كان التواصل بين الأسرة والمدرسة أكثر وضوحًا وثقة، كان من الممكن اكتشاف مشكلات الطفل ومعالجتها قبل أن تتفاقم.
أما التكنولوجيا، فقد أثبتت أهميتها في استمرارية التعليم خلال فترات الأزمات، ويمكن أن تكون وسيلة مهمة عندما يتعذر التعليم الحضوري. لكن التكنولوجيا لا تستطيع أن تحل محل المدرسة والمعلم بصورة كاملة. فالطفل يحتاج إلى التواصل الإنساني، وإلى زملائه، وإلى اللعب والحركة، وإلى بيئة يشعر فيها بالانتماء. ولذلك فإن التعليم المرن الذي يجمع بين الحضور المباشر والتكنولوجيا عند الحاجة قد يكون أحد الحلول التي يحتاج إليها النظام التعليمي اللبناني في مواجهة الطوارئ.
إن التحدي الحقيقي أمام لبنان ليس أن يبدأ العام الدراسي فقط، بل أن يضمن استمرار التعليم وجودته وعدالته. فلا يكفي أن تفتح المدرسة أبوابها إذا كان الطفل غير قادر على التركيز، أو إذا كان المعلم غير مدعوم، أو إذا كانت الإدارة تفتقر إلى الإمكانات، أو إذا كانت الأسرة عاجزة عن تحمل الأعباء، أو إذا بقي الفاقد التعليمي من دون معالجة.
ومن هنا، فإننا بحاجة إلى النظر إلى العام الدراسي باعتباره مشروعًا تربويًا متكاملًا، لا مجرد سنة جديدة تضاف إلى سنوات الدراسة. نحتاج إلى مدرسة آمنة، وإدارة واعية، ومعلم مدعوم، وطالب يشعر بالاحتضان، وأسرة شريكة، ومناهج وأساليب تعليمية أكثر مرونة، وخطط واضحة لمعالجة آثار الأزمات.
بين الواقع والخيال، هناك مسافة كبيرة. الخيال يرسم مدرسة مثالية، فيها كل ما يحتاج إليه الطفل، بينما الواقع يضع أمامنا مدارس تواجه تحديات حقيقية وأطفالًا عاشوا النزوح والخوف، ومعلمين يحملون مسؤوليات كبيرة، ومديرين يحاولون الحفاظ على استمرار العملية التعليمية.
لكن دور التربية ليس أن تهرب من الواقع، ولا أن تستسلم له، بل أن تحوّله إلى فرصة لبناء واقع أفضل.
فالعام الدراسي الحقيقي لا يبدأ عندما تفتح المدارس أبوابها فقط، بل عندما يشعر الطفل بالأمان، ويجد المعلم الذي يفهمه، والمدير الذي يقوده، والأسرة التي تسانده، والمنهج الذي يمنحه فرصة للتعلم والتعبير والإبداع.
وفي لبنان، ربما يكون السؤال الأهم مع بداية كل عام دراسي ليس: هل ستفتح المدارس أبوابها؟ بل: ماذا سنقدم لأطفالنا عندما يدخلون من هذه الأبواب؟
هل سنمنحهم تعليمًا فقط، أم سنمنحهم أيضًا الأمان والأمل والقدرة على بناء المستقبل؟
فالطفل الذي نزح وعاش الويلات يستحق أن يعود إلى مدرسته لا ليحمل معه ذاكرة الألم فقط، بل ليجد مكانًا يساعده على استعادة طفولته، وعلى فتح كتابه من جديد، وعلى الإيمان بأن المستقبل يمكن أن يكون أفضل.
وهنا تتحول المدرسة من مجرد مكان للتعليم إلى مساحة لاستعادة الإنسان، ويتحول العام الدراسي من موعد على التقويم إلى بداية جديدة للأمل.
مع بداية كل عام دراسي، يعود أيلول حاملاً معه صورة اعتدناها في لبنان: مدارس تستعد لاستقبال طلابها، حقائب وكتب ودفاتر، معلمون ومعلمات يتهيأون للقاء طلابهم، ومديرو مدارس يضعون خططهم لتنظيم عام جديد، وأهل يحاولون تأمين ما يحتاج إليه أبناؤهم. إنها صورة تحمل في ظاهرها الفرح والبدايات، لكن خلف هذه الصورة واقعًا تربويًا وإنسانيًا مختلفًا، يفرض علينا أن نتوقف ونسأل: كيف يبدأ العام الدراسي في لبنان؟ وهل تكفي عودة الطلاب إلى مقاعدهم لنقول إن التعليم عاد إلى طبيعته؟
العام الدراسي في لبنان اليوم لا يمكن فصله عن الواقع الذي يعيشه المجتمع. فالأزمات المتراكمة، والظروف الأمنية، والنزوح، وتضرر عدد من المدارس، والانقطاع المتكرر عن التعليم، والضغوط الاقتصادية والاجتماعية، كلها عوامل تركت أثرها في المدرسة وفي الإنسان الذي يعيش داخلها. ولهذا فإن الحديث عن بداية العام الدراسي يجب ألا يقتصر على تحديد موعد فتح الأبواب، بل يجب أن يتناول ظروف هذه العودة، ومدى قدرة المدرسة على توفير بيئة آمنة ومستقرة تسمح للطفل بأن يتعلم.
هناك طلاب نزحوا من بيوتهم، وتركوا مدارسهم ورفاقهم، وعاشوا الويلات بدل أن يعيشوا طفولة طبيعية. طلابٌ كان من المفترض أن يحملوا حقائبهم وكتبهم، فإذا بهم يحملون ذاكرة الخوف والفقد والنزوح. بعضهم غادر منزله، وبعضهم ابتعد عن مدرسته، وبعضهم فقد الاستقرار الذي يحتاج إليه أي طفل كي ينمو ويتعلم. واليوم، عندما يُطلب منهم العودة إلى المدرسة، لا يمكن أن نتعامل معهم وكأن شيئًا لم يحدث. فالعودة إلى المقعد لا تعني بالضرورة العودة النفسية إلى الحياة الطبيعية.
ومن هنا تبدأ مسؤولية المدرسة.
مدير المدرسة ليس مجرد مسؤول إداري ينتظر وصول الطلاب في اليوم الأول. ففي الظروف الصعبة يصبح المدير قائدًا تربويًا يقف في مواجهة مجموعة كبيرة من التحديات. عليه أن ينظم المدرسة، ويتابع المعلمين، ويؤمّن بيئة آمنة، ويتواصل مع الأهل، ويراقب احتياجات الطلاب، ويتعامل مع الطوارئ، ويحافظ في الوقت نفسه على استمرارية التعليم. ولهذا فإن مدير المدرسة يحتاج إلى دعم حقيقي وصلاحيات وإمكانات تساعده على القيام بدوره، لأن الإدارة التربوية الناجحة في الأزمات تحتاج إلى قيادة قادرة على اتخاذ القرار، وعلى احتواء المشكلات، وعلى وضع الإنسان في قلب العملية التعليمية.
أما المعلم والمعلمة، فهما يواجهان تحديًا لا يقل أهمية. فالمعلم يدخل الصف وهو يحمل مسؤولية تعليم مجموعة من الأطفال، لكن هؤلاء الأطفال لا يدخلون جميعًا بالحالة النفسية والتعليمية نفسها. بينهم من فقد جزءًا من تعليمه، ومن عاش النزوح، ومن يحمل الخوف في ذاكرته، ومن يحتاج إلى وقت حتى يستعيد قدرته على التركيز والتفاعل. لذلك لا يمكن أن نطلب من المعلم أن يؤدي دوره بالطريقة التقليدية نفسها، بل يجب أن نمنحه التدريب والدعم ليتمكن من التعامل مع هذه المتغيرات.
المعلم اليوم ليس ناقلًا للمعلومات فقط. إنه ميسّر للتعلم، ومساند للطفل، وملاحظ لسلوكه، وقادر على اكتشاف حاجاته. وهو بحاجة إلى استراتيجيات تعليمية جديدة تساعده على معالجة الفاقد التعليمي، وإدارة الصف في الظروف الصعبة، واستخدام الأنشطة واللعب والقصة والعمل الجماعي والتعلم النشط لجعل الطفل أكثر تفاعلًا مع المدرسة. فالطفل الذي عاش تجربة صعبة قد يحتاج إلى أن يتعلم بطريقة مختلفة، أكثر مرونة وإنسانية، وأكثر ارتباطًا بحاجاته.
أما الطالب، فيجب أن يكون محور العملية التعليمية كلها. فالطالب ليس رقمًا في سجل الحضور، وليس مجرد متلقٍ للمنهج. إنه إنسان له مشاعر واحتياجات وأحلام. ولذلك فإن نجاح العام الدراسي لا يقاس فقط بعدد الطلاب الذين حضروا إلى المدرسة، بل بمدى قدرتهم على التعلم والشعور بالأمان والانتماء.
الطالب النازح خصوصًا يحتاج إلى عناية تربوية خاصة. يحتاج إلى أن يشعر أن المدرسة مكانه، وأن زملاءه يتقبلونه، وأن المعلم يفهم ظروفه، وأن الإدارة قادرة على مساعدته. كما يحتاج إلى معالجة الفجوات التي نتجت عن انقطاعه عن التعليم. فالفاقد التعليمي لا يختفي بمجرد عودة الطالب إلى الصف، بل يحتاج إلى تشخيص وخطة ومتابعة وصبر.
وهنا تبرز أهمية اعتماد أساليب تعليمية تجعل الطالب شريكًا في التعلم. فاللعب والقصة والرسم والأنشطة الحركية والعمل الجماعي والمشروعات يمكن أن تساعد الطفل على التعبير عن نفسه واستعادة ثقته وتطوير مهاراته. فاللعب في التعليم ليس ترفًا، بل يمكن أن يكون وسيلة تربوية وإنسانية تساعد الطفل على تجاوز بعض آثار التوتر والعودة تدريجيًا إلى عالم التعلم.
ولا يمكن أن تكتمل الصورة من دون الأسرة. فالأهل يعيشون هم أيضًا ظروفًا صعبة، ويتحملون أعباء التعليم والنقل والكتب والقرطاسية، ويعيشون القلق على مستقبل أبنائهم. لكن الأسرة ليست فقط جهة تؤمّن المستلزمات، بل هي شريك أساسي في العملية التعليمية. وكلما كان التواصل بين الأسرة والمدرسة أكثر وضوحًا وثقة، كان من الممكن اكتشاف مشكلات الطفل ومعالجتها قبل أن تتفاقم.
أما التكنولوجيا، فقد أثبتت أهميتها في استمرارية التعليم خلال فترات الأزمات، ويمكن أن تكون وسيلة مهمة عندما يتعذر التعليم الحضوري. لكن التكنولوجيا لا تستطيع أن تحل محل المدرسة والمعلم بصورة كاملة. فالطفل يحتاج إلى التواصل الإنساني، وإلى زملائه، وإلى اللعب والحركة، وإلى بيئة يشعر فيها بالانتماء. ولذلك فإن التعليم المرن الذي يجمع بين الحضور المباشر والتكنولوجيا عند الحاجة قد يكون أحد الحلول التي يحتاج إليها النظام التعليمي اللبناني في مواجهة الطوارئ.
إن التحدي الحقيقي أمام لبنان ليس أن يبدأ العام الدراسي فقط، بل أن يضمن استمرار التعليم وجودته وعدالته. فلا يكفي أن تفتح المدرسة أبوابها إذا كان الطفل غير قادر على التركيز، أو إذا كان المعلم غير مدعوم، أو إذا كانت الإدارة تفتقر إلى الإمكانات، أو إذا كانت الأسرة عاجزة عن تحمل الأعباء، أو إذا بقي الفاقد التعليمي من دون معالجة.
ومن هنا، فإننا بحاجة إلى النظر إلى العام الدراسي باعتباره مشروعًا تربويًا متكاملًا، لا مجرد سنة جديدة تضاف إلى سنوات الدراسة. نحتاج إلى مدرسة آمنة، وإدارة واعية، ومعلم مدعوم، وطالب يشعر بالاحتضان، وأسرة شريكة، ومناهج وأساليب تعليمية أكثر مرونة، وخطط واضحة لمعالجة آثار الأزمات.
بين الواقع والخيال، هناك مسافة كبيرة. الخيال يرسم مدرسة مثالية، فيها كل ما يحتاج إليه الطفل، بينما الواقع يضع أمامنا مدارس تواجه تحديات حقيقية وأطفالًا عاشوا النزوح والخوف، ومعلمين يحملون مسؤوليات كبيرة، ومديرين يحاولون الحفاظ على استمرار العملية التعليمية.
لكن دور التربية ليس أن تهرب من الواقع، ولا أن تستسلم له، بل أن تحوّله إلى فرصة لبناء واقع أفضل.
فالعام الدراسي الحقيقي لا يبدأ عندما تفتح المدارس أبوابها فقط، بل عندما يشعر الطفل بالأمان، ويجد المعلم الذي يفهمه، والمدير الذي يقوده، والأسرة التي تسانده، والمنهج الذي يمنحه فرصة للتعلم والتعبير والإبداع.
وفي لبنان، ربما يكون السؤال الأهم مع بداية كل عام دراسي ليس: هل ستفتح المدارس أبوابها؟ بل: ماذا سنقدم لأطفالنا عندما يدخلون من هذه الأبواب؟
هل سنمنحهم تعليمًا فقط، أم سنمنحهم أيضًا الأمان والأمل والقدرة على بناء المستقبل؟
فالطفل الذي نزح وعاش الويلات يستحق أن يعود إلى مدرسته لا ليحمل معه ذاكرة الألم فقط، بل ليجد مكانًا يساعده على استعادة طفولته، وعلى فتح كتابه من جديد، وعلى الإيمان بأن المستقبل يمكن أن يكون أفضل.
وهنا تتحول المدرسة من مجرد مكان للتعليم إلى مساحة لاستعادة الإنسان، ويتحول العام الدراسي من موعد على التقويم إلى بداية جديدة للأمل.
80 مشاهدة
10 سبتمبر, 2026
101 مشاهدة
09 سبتمبر, 2026
89 مشاهدة
07 سبتمبر, 2026