وليد حديد - مونتريال
ما يحدث في كيبيك خطير، لأنه يتجاوز الخلاف السياسي حول موقف أو رمز، ليكشف عن أزمة فكرية وإنسانية تمسّ جوهر المواطنة ومعنى الانتماء إلى المجتمع. فحين تتحوّل حادثة رمزية إلى مناسبة للتشكيك في وطنية شخص أو أهليته للانتماء، يصبح السؤال أكبر من الحادثة نفسها: أيّ مجتمع نريد أن نبني، وعلى أيّ أساس نحدّد مَن ينتمي إليه؟
حين تسلّمت رُبى غزال الكوفية من مانون ماسّيه، لم يكن المشهد، في دلالته الإنسانية والسياسية، مجرّد انتقال قطعة قماش من شخص إلى آخر. لقد حمل رمزًا للهوية والجذور والتضامن مع شعب فلسطيني يعاني القتل والتجويع والتهجير، وأثار سؤالًا أساسيًا حول حق الإنسان في التعبير عن هويته وقناعاته، حتى داخل أعلى المؤسسات السياسية في المجتمع الذي ينتمي إليه.
مانون ماسّيه امرأة كيبيكية من أصول فرنسية، فيما رُبى غزال ابنة مهاجرين من أصول فلسطينية، استطاعت بشخصيتها وكفاءتها وحضورها السياسي أن تصل إلى موقع متقدّم في الحياة العامة في كيبيك، وأن تشارك في بناء مجتمعها.
قد تبدو هذه المقارنة، للوهلة الأولى، مجرّد وصف لاختلاف في الخلفيات العائلية. لكنها تكشف عن جوهر القضية: هل يُقاس انتماء الإنسان إلى كيبيك بمساهمته في مجتمعها وممارسته حقوقه، أم بأصوله ومدى قِدَم جذوره في هذه الأرض؟
إنّ رُبى غزال ليست أقلّ كيبيكية بسبب أصولها الفلسطينية، كما أنّ مانون ماسّيه ليست أكثر كيبيكية بسبب جذورها الفرنسية. فالمواطنة ليست امتيازًا وراثيًا، ولا مسابقة في قِدَم الأصول، بل علاقة حقوق ومسؤوليات ومشاركة في الحياة المشتركة.
وإذا كان هذا المبدأ واضحًا من الناحية النظرية، فإنّ الاختبار الحقيقي له يبدأ عندما يعبّر المواطن عن هوية أو قضية لا تحظى بقبول الجميع. فالمجتمع لا يُختبر عندما يتشابه أفراده، بل عندما يختلفون؛ ولا تُقاس مساواة المواطنين بالشعارات التي يرفعها المجتمع، بل بقدرته على حماية حقوقهم حين تصبح مواقفهم مثار جدل.
ومن هنا، لا تعود قضية الكوفية شأنًا يخصّ رُبى غزال وحدها، بل تصبح مدخلًا إلى سؤال يمسّ كل مواطن من أصول مهاجرة: هل يستطيع أن يكون جزءًا كاملًا من كيبيك، من دون أن يُطلب منه أن يختار بين انتمائه إليها واعتزازه بجذوره؟
أنا أدافع عن حقوقي كمواطن
هذا السؤال ليس بالنسبة إليّ نقاشًا نظريًا أو خلافًا سياسيًا عابرًا. إنّه يمسّ حقوقي ومكانتي في المجتمع الذي أعيش فيه. لذلك، أنا لا أكتب دفاعًا عن شخص بعينه فحسب، ولا لأنّني أوافق بالضرورة على كل موقف سياسي يصدر عن أيّ شخص، بل لأنني أدافع عن مبدأ أوسع: حقي في المواطنة الكاملة، وفي المساواة والكرامة، وفي التعبير عن هويتي وضميري الإنساني من دون أن يصبح ذلك سببًا للتشكيك في انتمائي.
أنا أدافع عن حقوقي كمواطن، لا أطلب امتيازًا بسبب أصولي، ولا أقبل انتقاصًا من حقوقي بسببها.
لقد ساهم أبناء المهاجرين في بناء كيبيك، وعملوا وتعلّموا وأسّسوا المؤسسات وربّوا أبناءهم، وأصبحوا جزءًا من حاضرها ومستقبلها. وهم ليسوا ضيوفًا مطالبين بتجديد إثبات استحقاقهم للانتماء كلما عبّروا عن جذورهم، أو تضامنوا مع شعب يعاني المأساة، أو اتخذوا موقفًا سياسيًا لا يروق للبعض.
ليس من العدل أن تتحوّل الجذور الثقافية إلى عبء على صاحبها، أو أن يصبح الصمت عن معاناة الآخرين شرطًا ضمنيًا للقبول الاجتماعي. فالمواطنة لا تعني أن يتخلّى الإنسان عن ذاكرته، ولا أن يفصل إنسانيته عن أصوله، بل أن يشارك في مجتمعه بوصفه إنسانًا حرًا ومواطنًا متساوي الحقوق.
أنا مواطن، ولست مواطنًا من درجة ثانية. جذوري جزء من هويتي، وإنسانيتي ليست موضع تفاوض، وانتمائي إلى كيبيك لا يتعارض مع اعتزازي بأصولي أو دفاعي عن حقوق الإنسان.
وهذا الموقف لا يمنحني حقوقًا أكثر من غيري، بل يطالب بحقوق متساوية للجميع. فمن حقّ كل مواطن أن يعتزّ بجذوره، ومن حقّه أيضًا أن يختلف سياسيًا وثقافيًا مع الآخرين، ما دام يحترم القانون وحقوقهم. فالمساواة لا تُختبر بمنح الحقوق لمن نتفق معهم، وإنما بحماية حقوق من نختلف معهم أيضًا.
لكن إذا كانت المواطنة حقًا متساويًا، فلماذا تتحوّل بعض الرموز والهويات إلى موضع تشكيك واستقطاب؟ ولماذا يبدو أنّ بعض أشكال التعبير تُستقبل باعتبارها جزءًا طبيعيًا من التنوّع، بينما تُحمّل أشكال أخرى دلالات تهديدية لمجرّد ارتباطها بأصول أو قضايا معيّنة؟
هنا ينتقل النقاش من حقّ الفرد إلى طبيعة الخطاب العام الذي يحيط به، ومن حادثة محدّدة إلى مفهوم الوطنية الذي يحكم نظرتنا إلى بعضنا بعضًا.
الوطنية الحقيقية لا تُقسّم المواطنين إلى درجات
إنّ ردود الفعل على حادثة الكوفية تفتح الباب أمام مساءلة مفهوم الوطنية نفسه. هل الوطنية انتماء مشترك يقوم على الحقوق والمسؤوليات المتساوية، أم أنّها، في نظر بعضهم، درجات متفاوتة يُمنح فيها أصحاب الجذور الأقدم موقعًا أكثر أصالة، فيما يُطلب من أبناء المهاجرين تقديم أدلة إضافية على ولائهم؟
إنّ الوطنية التي تتّسع لفئة وتضيق بأخرى بسبب أصولها ليست وطنية جامعة. والمجتمع الواثق من هويته لا يحتاج إلى التشكيك في انتماء مواطنيه كلما عبّروا عن اختلافهم، ولا يعتبر تنوّعهم تهديدًا يستوجب الدفاع المستمر عن حدود الهوية.
وليس معنى ذلك أنّ كل اعتراض على رفع الكوفية عنصري، أو أنّ كل انتقاد لتصرّف سياسي دليل على الإقصاء. فمن حقّ الناس مناقشة رمزية الأفعال، وتوقيت التعبير عنها، ومدى ملاءمتها للمؤسسات العامة. لكنّ النقاش المشروع يفقد توازنه عندما يتحوّل من مناقشة الفعل إلى التشكيك في حقّ صاحبه في الانتماء، أو عندما تُستخدم أصوله لتقليل شرعيته بوصفه مواطنًا.
الفارق جوهري بين أن نختلف مع موقف سياسي، وأن نطعن في حقّ صاحبه في أن يكون واحدًا منّا.
ومن هنا تبرز مسؤولية الإعلام. فبدلًا من توضيح الوقائع، وعرض الحجج المختلفة، والتمييز بين النقد المشروع والتحامل، قد تتحوّل بعض التغطيات إلى أدوات لتضخيم الاستقطاب وتأجيج المخاوف. وعندما تصبح هوية الشخص محور المعركة بدلًا من مضمون موقفه، يبتعد النقاش عن جوهر المسألة ويقترب من تكريس الانقسام.
لذلك، فإنّ السؤال ليس ما إذا كان من حقّ الناس انتقاد ما حدث؛ فهذا الحق قائم. السؤال هو: هل يجري هذا الانتقاد بمعايير متساوية، أم أنّ بعض الهويات تُعامل بريبة أكبر من غيرها؟ وهل تُناقش الرموز والمواقف على أساس واحد، أم أنّ خلفية الشخص تصبح عاملًا إضافيًا في الحكم عليه؟
إنّ الإجابة عن هذه الأسئلة ضرورية، لأنّها تقودنا إلى الخطر الأوسع الذي ينبغي أن ننتبه إليه.
هل يتسلّل إلى كيبيك منطق تقسيم المجتمع؟
ما يثير القلق هو احتمال ترسّخ منطق يقسّم المجتمع وفق الأصول العرقية والدينية والثقافية، ويحوّل الاختلاف من حقيقة طبيعية في المجتمعات الحديثة إلى وسيلة للتصنيف والإقصاء. وهو منطق ظهر بأشكال مختلفة في تجارب سياسية واجتماعية عديدة، ومنها التجربة الأمريكية، حيث أصبحت الهوية في بعض السياقات أداة للاستقطاب السياسي والاجتماعي.
ولا يعني ذلك أنّ كيبيك نسخة من الولايات المتحدة، أو أنّ كل ما يحدث فيها يسير بالضرورة نحو النتيجة نفسها. لكنّ التجارب الأخرى تذكّرنا بأنّ الانقسامات لا تبدأ دائمًا بحرمان فئة من حقوقها بصورة مباشرة؛ فقد تبدأ بخطاب يشكّك في أصالة انتمائها، أو يضعها باستمرار أمام امتحان الولاء، أو يصوّر هويتها باعتبارها مشكلة ينبغي أن تبرّر نفسها.
وحين يتكرّر هذا المنطق، يصبح المواطن مضطرًا إلى الدفاع عن حقّه في الانتماء بدلًا من ممارسة مواطنته بصورة طبيعية. ويتحوّل التنوع من مصدر للغنى الاجتماعي إلى خط تماسّ دائم بين فئات المجتمع.
وهنا تكتسب حادثة الكوفية أهميتها الرمزية: ليس لأنّها تثبت وحدها وجود أزمة شاملة في كيبيك، بل لأنّها تتيح لنا أن نسأل بجدية عن الحدود الفاصلة بين الاختلاف السياسي المشروع والإقصاء القائم على الهوية.
كما أنّ رفع أعلام أو التعبير عن قضايا وشعوب أخرى في المكان نفسه يطرح سؤال الاتساق في تطبيق المعايير. فإذا كانت حرية التعبير مقبولة في حالة ومثار شكّ في حالة أخرى، فمن المشروع المطالبة بتوضيح الأساس الذي يفسّر هذا الاختلاف. أمّا إثبات وجود ازدواجية فعلية في المعايير، فيحتاج إلى مقارنة دقيقة بين الوقائع والظروف، لا إلى الاكتفاء بالتشابه الظاهري بينها.
فالمعيار الذي ينبغي الدفاع عنه واضح: أن تُقيّم المواقف وفق مضمونها وسياقها، وأن تُحترم الحقوق القانونية لجميع المواطنين، من دون تمييز بسبب الأصل أو الهوية.
كيبيك التي نريدها
كيبيك ليست ملكًا لفئة دون أخرى، ولا ينبغي أن يكون الانتماء إليها امتيازًا تحتكره العائلات ذات الجذور الأقدم. إنّها مجتمع مشترك، يتشكّل تاريخه وحاضره ومستقبله من مساهمات مواطنيه على اختلاف خلفياتهم.
والدفاع عن كيبيك لا يكون بالتقليل من مكانة أبنائها ذوي الأصول المهاجرة، ولا بمطالبتهم بالتخلّي عن جذورهم كي يثبتوا ولاءهم، بل بالدفاع عن المبادئ التي تجعل المواطنة ذات معنى: الحرية، والمساواة أمام القانون، والكرامة الإنسانية، والحق في المشاركة في الحياة العامة.
إنّ المجتمع القوي ليس المجتمع الذي يخلو من الاختلاف، بل الذي يمتلك من الثقة والعدالة ما يكفي لإدارة اختلافاته من دون أن يحوّلها إلى مراتب متفاوتة من الانتماء.
لهذا، فإنّ موقفي ليس مطالبة بامتياز خاص لرُبى غزال، أو لأيّ جماعة، وليس رفضًا لحقّ الآخرين في النقد. إنّه دفاع عن مبدأ يجب أن يسري على الجميع: لا يجوز أن تكون الأصول العرقية أو الثقافية أساسًا لانتقاص المواطنة، ولا أن يتحوّل الاختلاف السياسي إلى ذريعة للتشكيك في شرعية انتماء الإنسان إلى مجتمعه.
أنا أدافع عن حقوقي كمواطن، وعن حقّ كل إنسان في أن يعيش بكرامة، معتزًا بجذوره، ومشاركًا في بناء وطنه، من دون خوف من التمييز أو الإقصاء.
فالمواطنة ليست منحة من أحد، والانتماء ليس امتيازًا وراثيًا، والإنسانية لا تتجزّأ.
وإذا أردنا لكيبيك مستقبلًا أكثر عدلًا وتماسكًا، فعلينا أن نرفض كل محاولة لتحويل مواطنيها إلى درجات، وأن نتمسّك بمبدأ بسيط وحاسم: قد نختلف في السياسة، وقد تتباين أصولنا وهوياتنا، لكنّ حقوقنا وكرامتنا وانتماءنا المدني يجب ألّا تكون موضع تفاوض.
31 مشاهدة
24 أكتوبر, 2026
31 مشاهدة
24 أكتوبر, 2026
100 مشاهدة
22 أكتوبر, 2026