د. علي ضاهر - مونتريال
الدول ليست سواسية كأسنان المشط والسيادة ليست سلعة للبيع. ثمة دول تعرف أن السيادة مقدسة، وثمة دول تتعامل معها كحلية يمكن خلعها عند أول ضغط. ثمة دول تعرف أن السيادة تُحمى بالوقوف، وثمة دول تظن أنها تُحمى بالانحناء. هنا تتكشف المفارقة بين من يفاوض كي يحمي وجوده، ومن يفاوض كي يحوّل وجوده نفسه إلى بند في المفاوضات.
ترامب لم يرَ في كندا دولة مستقلة. يتصرّف معها كأنها حديقة خلفية يحق له أن يقرر لون أزهارها ونوع ترابها. في مفاوضاته معها، بدت مواقفه أقرب إلى برنامج وصاية: رقابة على الاتفاقيات، فيتو على الخيارات الاقتصادية، ضغوط تمسّ الهوية واللغة، وصلاحية مفتوحة لفرض الرسوم كلما تعكّر مزاجه. خطابه الموجّه للكنديين: أنتم أسرى الجغرافيا، وقدركم أن تدوروا في فلكنا. لكن رئيس وزراء كندا، مارك كارني، مدعوماً من مختلف القوى السياسية، اختار أن يذكّر الرجل بأن الجغرافيا لا تُلغي السيادة، وأن الجار القوي لا يتحوّل تلقائياً إلى مالك البيت! فالبيوت تُحترم بقوة أهلها ومقاومتهم.
لم يكن ما جرى مجرد تفاوض، بل اختباراً لقاعدة سياسية كبرى: هل تستطيع دولة أن تقول "لا" لدولة أقوى منها بدرجات؟ الجواب الكندي كان واضحاً: نعم. قد تكون هذه الـ"لا" مكلفة، وقد تدفع كندا ثمناً باهظاً، لكن هناك فرقاً شاسعاً بين أن تدفع دفاعاً عن استقلال قرارك، وأن تحصل على صفقة رخيصة تدفع فيها استقلالك نفسه. هنا تحديداً تظهر قيمة العمود الفقري السياسي: كندا لم تقل إنها لا تخشى الكلفة، بل قالت إن هناك أشياء أغلى من المال، وإن السيادة والكرامة منها!
لكن في لبنان، المشهد مختلف تماماً. إسرائيل تتعامل معه كأنه فائض جغرافي لا كدولة لها حدود وسيادة. الخرائط التي يستعرضها نتنياهو ليست خرائط سياحية، بل رسائل تقول إن شهية التوسع مفتوحة، وإن لبنان مساحة قابلة لإعادة الرسم متى شاءت القوة أن تعيد ترتيب المشهد. الإملاءات الإسرائيلية جاءت كنسخة شرق أوسطية من ضغوط واشنطن على كندا: شروط على القرار اللبناني، تدخل في الخيارات، ضغوط على المناهج والثقافة والخطاب، اختيار للبنان مع من عليه التعامل، وفوق ذلك كله زرّ سحري اسمه "حق الدفاع عن النفس" و"أمن المستوطنات"، يمكن الضغط عليه كلما تعكّر مزاج ساسة اسرائيل، فتتحول الغارات إلى "إجراءات أمنية"، والدمار إلى رسائل، والسيادة اللبنانية إلى ممسحة.
ماذا فعل رئيس لبنان، جوزف عون أمام هذا الهوان؟ هل فعل مثل كارني؟ هل وقف وانتفض؟ لا. فهو كالعادة، ابتدأ باستعراض شعارات رنانة: لا تفاوض تحت النار، لا حديث قبل الانسحاب، السيادة خط أحمر. شعارات جميلة، تصلح لافتتاح نشرات أخبار المحطات "الصديقة" له، لكنها لا تصلح لإدارة مفاوضات إن لم تكن مدعومة، على الأقل، بوحدة وطنية وصلابة موقف. لذلك سقطت عند أول اختبار. المشكلة ليست في أن كندا أقوى من لبنان. المشكلة في طريقة التعامل مع الضغط. كندا وقفت صفاً واحداً وقالت: قد نخسر، لكننا لن نبيع قرارنا. أما عون، فاحتكر القرار، تخلّى عن عناصر القوة، وتعَرّى سياسياً وقال: نبيع قرارنا ونبكي قليلا، لعلّهم "يتحنّنوا" علينا!
هذه ليست سياسة واقعية، بل وصفة لفقدان ما تبقّى من الهيبة. فالدولة التي تجعل سيادتها قابلة للتفاوض، لا تملك خطوطاً حمراء، بل خطوطاً قابلة للمحو وإعادة الرسم بحسب قوة القلم على الجانب الآخر من الطاولة. وثمة فارق بين أن تفاوض وأنت واقف ورأسك مرفوعة، وأن تفاوض وأنت منبطح. في السياسة الدولية، لكل شيء ثمن. لكن بعض الدول تدفع الثمن كي تشتري كرامتها، وبعضها الآخر يبيع كرامته، ثم يكتشف أنه لم يحصل حتى على جزء من ثمنها!
الدول ليست سواسية كأسنان المشط والسيادة ليست سلعة للبيع. ثمة دول تعرف أن السيادة مقدسة، وثمة دول تتعامل معها كحلية يمكن خلعها عند أول ضغط. ثمة دول تعرف أن السيادة تُحمى بالوقوف، وثمة دول تظن أنها تُحمى بالانحناء. هنا تتكشف المفارقة بين من يفاوض كي يحمي وجوده، ومن يفاوض كي يحوّل وجوده نفسه إلى بند في المفاوضات.
ترامب لم يرَ في كندا دولة مستقلة. يتصرّف معها كأنها حديقة خلفية يحق له أن يقرر لون أزهارها ونوع ترابها. في مفاوضاته معها، بدت مواقفه أقرب إلى برنامج وصاية: رقابة على الاتفاقيات، فيتو على الخيارات الاقتصادية، ضغوط تمسّ الهوية واللغة، وصلاحية مفتوحة لفرض الرسوم كلما تعكّر مزاجه. خطابه الموجّه للكنديين: أنتم أسرى الجغرافيا، وقدركم أن تدوروا في فلكنا. لكن رئيس وزراء كندا، مارك كارني، مدعوماً من مختلف القوى السياسية، اختار أن يذكّر الرجل بأن الجغرافيا لا تُلغي السيادة، وأن الجار القوي لا يتحوّل تلقائياً إلى مالك البيت! فالبيوت تُحترم بقوة أهلها ومقاومتهم.
لم يكن ما جرى مجرد تفاوض، بل اختباراً لقاعدة سياسية كبرى: هل تستطيع دولة أن تقول "لا" لدولة أقوى منها بدرجات؟ الجواب الكندي كان واضحاً: نعم. قد تكون هذه الـ"لا" مكلفة، وقد تدفع كندا ثمناً باهظاً، لكن هناك فرقاً شاسعاً بين أن تدفع دفاعاً عن استقلال قرارك، وأن تحصل على صفقة رخيصة تدفع فيها استقلالك نفسه. هنا تحديداً تظهر قيمة العمود الفقري السياسي: كندا لم تقل إنها لا تخشى الكلفة، بل قالت إن هناك أشياء أغلى من المال، وإن السيادة والكرامة منها!
لكن في لبنان، المشهد مختلف تماماً. إسرائيل تتعامل معه كأنه فائض جغرافي لا كدولة لها حدود وسيادة. الخرائط التي يستعرضها نتنياهو ليست خرائط سياحية، بل رسائل تقول إن شهية التوسع مفتوحة، وإن لبنان مساحة قابلة لإعادة الرسم متى شاءت القوة أن تعيد ترتيب المشهد. الإملاءات الإسرائيلية جاءت كنسخة شرق أوسطية من ضغوط واشنطن على كندا: شروط على القرار اللبناني، تدخل في الخيارات، ضغوط على المناهج والثقافة والخطاب، اختيار للبنان مع من عليه التعامل، وفوق ذلك كله زرّ سحري اسمه "حق الدفاع عن النفس" و"أمن المستوطنات"، يمكن الضغط عليه كلما تعكّر مزاج ساسة اسرائيل، فتتحول الغارات إلى "إجراءات أمنية"، والدمار إلى رسائل، والسيادة اللبنانية إلى ممسحة.
ماذا فعل رئيس لبنان، جوزف عون أمام هذا الهوان؟ هل فعل مثل كارني؟ هل وقف وانتفض؟ لا. فهو كالعادة، ابتدأ باستعراض شعارات رنانة: لا تفاوض تحت النار، لا حديث قبل الانسحاب، السيادة خط أحمر. شعارات جميلة، تصلح لافتتاح نشرات أخبار المحطات "الصديقة" له، لكنها لا تصلح لإدارة مفاوضات إن لم تكن مدعومة، على الأقل، بوحدة وطنية وصلابة موقف. لذلك سقطت عند أول اختبار. المشكلة ليست في أن كندا أقوى من لبنان. المشكلة في طريقة التعامل مع الضغط. كندا وقفت صفاً واحداً وقالت: قد نخسر، لكننا لن نبيع قرارنا. أما عون، فاحتكر القرار، تخلّى عن عناصر القوة، وتعَرّى سياسياً وقال: نبيع قرارنا ونبكي قليلا، لعلّهم "يتحنّنوا" علينا!
هذه ليست سياسة واقعية، بل وصفة لفقدان ما تبقّى من الهيبة. فالدولة التي تجعل سيادتها قابلة للتفاوض، لا تملك خطوطاً حمراء، بل خطوطاً قابلة للمحو وإعادة الرسم بحسب قوة القلم على الجانب الآخر من الطاولة. وثمة فارق بين أن تفاوض وأنت واقف ورأسك مرفوعة، وأن تفاوض وأنت منبطح. في السياسة الدولية، لكل شيء ثمن. لكن بعض الدول تدفع الثمن كي تشتري كرامتها، وبعضها الآخر يبيع كرامته، ثم يكتشف أنه لم يحصل حتى على جزء من ثمنها!
50 مشاهدة
24 أغسطس, 2026
74 مشاهدة
23 أغسطس, 2026
109 مشاهدة
23 أغسطس, 2026