صدى انلاين ـ مونتريال
في أعقاب التظاهرة التي شهدتها مدينة مونتريال احتجاجاً على التدخلات العسكرية الإسرائيلية في إيران ولبنان، والتي شارك فيها الكونغرس الإيراني الكندي إلى جانب حركة الشباب الفلسطيني ، أجرينا مقابلة مع منى قاسمي، رئيسة الكونغرس الإيراني الكندي، تناولت فيها مواقف الجالية الإيرانية في كندا من الحرب والتطورات الإقليمية.
وأكدت قاسمي خلال المقابلة أن منظمتها، وهي هيئة غير حزبية وغير دينية تأسست عام 2007، تعمل على تمثيل مصالح الإيرانيين الكنديين وتشجيع مشاركتهم في المجتمع الكندي. كما شددت على أن الجالية الإيرانية في كندا تضم طيفاً واسعاً من الآراء السياسية، إلا أن كثيرين يتفقون على رفض الحرب والتدخلات الخارجية في إيران.
وتطرقت قاسمي إلى تداعيات التصعيد العسكري على المدنيين في إيران، منتقدة استهداف البنية التحتية المدنية، وداعية إلى تحقيق دولي في الهجمات التي طالت مدارس ومستشفيات. كما عبّرت عن قلق منظمتها من موقف الحكومة الكندية، مطالبة أوتاوا باتباع نهج قائم على القانون الدولي والدبلوماسية بدلاً من دعم التصعيد العسكري.
– السيدة منى قاسمي، هل يمكن أن تشرحي بإيجاز ما هو الكونغرس الإيراني الكندي، وما الذي يمثله، وما الدور الذي يلعبه داخل الجالية الإيرانية في كندا؟
كما ورد في موقعنا الإلكتروني:“الكونغرس الإيراني الكندي هو منظمة غير ربحية وغير حزبية وغير دينية تأسست عام 2007 لتمثيل مصالح الإيرانيين الكنديين وتشجيع مشاركتهم في المجتمع الكندي.”
“تتمثل رؤية المؤتمر الإيراني الكندي في بناء مجتمع إيراني كندي نشط ومؤثر سياسياً، منخرط في جميع مستويات الحكومة ومشارك اجتماعياً في المجتمع الكندي متعدد الثقافات، بما يسهم في تحسين أوضاع الإيرانيين الكنديين في المجالات الاجتماعية والسياسية والثقافية.”
وتتمثل مهمتنا في العمل لتحقيق هذه الرؤية في مجالات المناصرة والتعليم وبناء المجتمع وتعزيز صورة الثقافة الإيرانية في كندا.
– غالباً ما توصف الجالية الإيرانية في كندا بأنها متنوعة وأحياناً منقسمة سياسياً. كيف تصفين نطاق الآراء داخل الجالية بشأن الصراع الحالي وحكومة إيران؟
هناك نطاق واسع جداً من الآراء السياسية داخل الجالية الإيرانية الكندية. هذا التنوع لا يعكس بالضرورة بشكل مباشر آراء الإيرانيين داخل إيران أو تركيبة المجتمع الإيراني بتعدد طبقاته وأعراقه. بل إن تنوع الآراء بين الإيرانيين الكنديين يعكس جزئياً موجات الهجرة المختلفة التي غادر خلالها الإيرانيون بلدهم خلال لحظات تاريخية مختلفة.
الكونغرس الإيراني الكندي يدرك هذا التنوع، ولذلك فإن الطابع غير الديني وغير الحزبي في دستور منظمتنا يسمح بضم هذه الآراء المختلفة تحت مظلة منظمة تدافع عن السلام والعدالة والدبلوماسية.
تضم منظمتنا أفراداً بآراء سياسية تمتد من اليسار إلى الليبرالية، وتشمل طلاباً ورجال أعمال ومهنيين. بعضهم أكثر علمانية، بينما يحمل آخرون قيماً دينية قوية. وما يجمع مجتمعنا هو حب وطننا ومعارضتنا للحرب والتدخل الأجنبي.
ورغم أن الجميع لا يدعمون بالضرورة البنية الحالية للحكومة الإيرانية أو سياساتها، فإننا ندرك أنه في كندا، حيث قطعت الدولة التي نقيم فيها علاقاتها الدبلوماسية مع إيران وفرضت عقوبات على وطننا، فإننا بحاجة أولاً إلى مواجهة هذه السياسات للحفاظ على سيادة إيران. فمن دون دولة ذات سيادة لا يمكننا توقع الحفاظ على حرياتنا الأخرى.
لسوء الحظ، قبيل الهجمات الأميركية الإسرائيلية المشتركة على إيران التي بدأت في 28 فبراير، شهد الشتات الإيراني تعبئة واسعة لتوليد دعم للحرب. ويضم هذا الشتات تياراً ملكياً أقل حضوراً داخل إيران لأنه يتكون أساساً من أشخاص غادروا البلاد بعد الثورة لأنهم كانوا مستفيدين من نظام بهلوي وأبنائهم.
الجزء الأكثر يمينية وتطرفاً من هذا التيار يدعم إسرائيل علناً ويؤيد العدوان الإسرائيلي والأميركي على إيران. وهناك أيضاً أفراد يدعون إلى “انتقال ديمقراطي” تحت قيادة ولي العهد السابق رضا بهلوي، وهم غالباً يحملون آراء ليبرالية علمانية.
وأخيراً هناك بعض التقدميين اليساريين الذين ينتقدون الجمهورية الإسلامية لكنهم يعارضون الحرب والتدخل الأجنبي ويبدون تعاطفاً مع فلسطين.
ورغم أنه من غير المرجح أن تتمكن منظمتنا من تغيير آراء المجموعة الأولى، فإننا نأمل أنه مع اندلاع الحرب سنتمكن من جذب المزيد من أفراد المجموعتين الثانية والثالثة، مع ازدياد وضوح حقيقتين:
أولاً أن بهلوي ليس بديلاً قابلاً للحياة وأن حليفه إسرائيل يسعى إلى تدمير إيران كدولة مستقلة ذات سيادة.
وثانياً أن الموقف السائد في الغرب، الذي يساوي بين انتقاد الحكومة الإيرانية والتدخل الأجنبي، يفشل في إيقاف العقوبات وآلة الحرب.
نحن بحاجة إلى الحفاظ على سيادة إيران حتى يكون لدينا بلد يدعم فلسطين وتحرير غرب آسيا، ويمكننا داخله انتقاد حكومتنا والنضال من أجل الحقوق المدنية والاجتماعية وحقوق العمال، وتطوير بلدنا وفق شروطنا الخاصة بعيداً عن الأجندات الإمبريالية.
– اغتيال المرشد الأعلى الإيراني أثار، بحسب التقارير، موجة حزن واحتجاجات في عدة دول. كيف أثّر هذا الحدث على الجاليات الإيرانية حول العالم بما في ذلك هنا في كندا؟
تعكس ردود الفعل داخل الجالية الإيرانية التنوع الذي تحدثت عنه في إجابتي السابقة. ففي حين احتفل الملكيون المؤيدون لترامب، عبّر كثيرون في الأوساط الدينية عن حزنهم على آية الله السيد علي خامنئي واعتبروه شهيداً.
المؤتمر الإيراني الكندي يحترم حق الإيرانيين وجميع المعنيين في الحزن على شخصية كانت بالنسبة للكثيرين قائداً دينياً وروحياً محترماً حول العالم. كما ندرك أن كثيرين ممن لديهم مظالم تجاه الحكومة الإيرانية قد يشعرون بشكل مختلف.
ومع ذلك فإننا ندين اغتيال أي رئيس دولة لأنه عمل حربي يؤدي عادة إلى مزيد من عدم الاستقرار ويشكل سابقة خطيرة. كما نرفض الفكرة القائلة إن هذا العمل الحربي قد حسّن أوضاع الإيرانيين.
– أثار الكونغرس الإيراني الكندي مؤخراً مخاوف جدية بشأن سقوط ضحايا مدنيين في إيران، بما في ذلك قصف مدرسة للبنات في ميناب. ماذا يكشف هذا الحادث عن طبيعة الصراع الحالي؟
خلال الأسبوع الماضي دُمّرت كمية كبيرة من البنية التحتية المدنية بفعل القصف الأميركي والإسرائيلي لدرجة أن مصطلح “خسائر” لم يعد يبدو مناسباً لوصف ما يحدث.
وقد دعت جمعية الهلال الأحمر الإيراني المحكمة الجنائية الدولية إلى التحقيق في هذه الهجمات باعتبارها جرائم حرب.
ويعمل المؤتمر الإيراني الكندي حالياً على إعداد بيانات إضافية تدين تدمير المرافق الطبية، إلى جانب المدرسة والمجمعات الرياضية التي ذُكرت في بياننا الأول بشأن الحرب وفي بياننا الذي صدر بمناسبة اليوم العالمي للمرأة. كما نعلم أن مواقع تراث ثقافي ومطاراً ومحطة لتحلية المياه كانت أيضاً من بين الأهداف.
كما قلت في كلمتي خلال التظاهرة الطارئة التي عُقدت في مونتريال بالتعاون مع حركة الشباب الفلسطيني في 28 فبراير، فإن قتل الأطفال يأتي مباشرة من النهج الإسرائيلي في فلسطين. وبالمثل فإن تدمير المستشفيات والمرافق الطبية يعكس تكتيكاً إبادة جماعية يستخدمه الجيش الإسرائيلي لأنه يجعل علاج الجرحى أكثر صعوبة.
كما أن لإسرائيل تاريخاً في اقتلاع علاقة الفلسطينيين بأرضهم وثقافتهم، وهو ما أراه ينعكس في تدمير المواقع التاريخية الإيرانية.
وأي محاولة لفهم الصراع الحالي مع تجاهل القضية الفلسطينية ستبقى ناقصة، لأن معارضة إسرائيل لإيران تقوم أساساً على دعم إيران المادي للشعب الفلسطيني ورفضها الاعتراف بالقوة المحتلة كدولة، إضافة إلى الخوف مما يمثله نجاح إيران من نموذج لحركات المقاومة الأصلية في المنطقة.
– هل تعرّض أعضاء المؤتمر الإيراني الكندي لأي شكل من أشكال المضايقة أو الترهيب في كندا؟
نعم. بعد مقابلتي مع ديفيد كوكرين في برنامج Power and Politics على شبكة CBC، تعرضت حسابات المنظمة على وسائل التواصل الاجتماعي لسيل من الرسائل السلبية، بعضها تضمن شتائم ولغة تهديد مبطنة.
وتصاعدت التهديدات لتصل إلى مكان عملي، حيث أُبلغت بأنهم تلقوا عدداً كبيراً من الرسائل الإلكترونية التي تشتكي من المقابلة وتتضمن تهديدات ولغة تشهيرية.
وعلى أرض الواقع، تعرّض بعض أعضاء مجلس الإدارة للملاحقة والمضايقة من قبل أفراد حاولوا تصويرهم وتشويه صورتهم. كما نُشرت معلومات شخصية لبعض الأعضاء، مثل عناوين منازلهم وأماكن عملهم، على الإنترنت في محاولة على ما يبدو للتحريض على مضايقتهم.
كما لاحظت تغريدات تسعى إلى تشويه سمعة أفراد عبر استخدام معلومات مشوهة أو جزئية لتقديم صورة مضللة عن علاقاتهم العائلية أو مواقفهم السياسية بهدف تخويفهم أو تحريض الجمهور ضدهم.
وقد علمنا أيضاً بوجود موقع يسمى «Mozdur-yaab» أي «الباحث عن المرتزقة»، يدرج أسماء أعضاء حاليين وسابقين في مجلس الإدارة وأشخاص مقربين من المنظمة. بدا أن الهدف من الموقع هو وضع هؤلاء الأشخاص كأهداف، حيث احتوى على لغة توحي بأنه سيتم ملاحقتهم ومعاقبتهم. ومن المفارقات أن وصف «المرتزقة» يزعم أننا نتلقى أموالاً مقابل ما نقوم به، وهو أمر أتمنى لو كان صحيحاً!
وليس هذا أول مرة يتعرض فيها أفراد مرتبطون بمنظمتنا لمثل هذه الهجمات. ففي العام الماضي، حضرت الرئيسة السابقة للمنظمة فعالية عامة فواجهها شخص قال لها «كيف تجرؤين» على الحضور وأخافها بسلوك عدواني.
هذه الهجمات تحدث لأننا نتحدث ضد الحرب والتدخل الأجنبي في إيران، ولأننا أيضاً تحدثنا عن الإبادة الجماعية في فلسطين خلال العامين والنصف الماضيين.
وغالباً ما تحاول هذه الهجمات تصوير منظمتنا إما كممثل رسمي للجمهورية الإسلامية أو كجهة متحالفة معها. لكننا منظمة كندية تطوعية بميزانية صغيرة وشفافة، وبياناتنا المالية متاحة للجميع على موقعنا.
نحن نعلم أن محاولات نزع الشرعية عنا لا تستند إلى الواقع، لكن هدفها الأساسي هو تخويف الآخرين ومنعهم من الانضمام إلينا. كما ندرك أن هذه الهجمات جزء من جهود أوسع لإسكات الأصوات المناهضة للحرب، ولهذا السبب بالذات سنواصل عملنا.
– أرسل المؤتمر الإيراني الكندي مؤخراً رسالة إلى رئيس الوزراء مارك كارني وعدد من كبار الوزراء ينتقد فيها موقف كندا من الصراع. ما أبرز القضايا التي أثيرت في تلك الرسالة؟
نحن نشعر بخيبة أمل من التصريحات الأخيرة لرئيس الوزراء، التي وصف فيها الحرب على إيران بأنها «أعمال عدائية مرتبطة بإيران»، كما وصف إيران مرتين بأنها «المصدر الرئيسي لعدم الاستقرار والإرهاب في الشرق الأوسط». وكما حدث في موقفه من حرب الأيام الاثني عشر، فقد قام كارني بتشويش صورة الطرف المسؤول والدفاع عنه، بل والدفاع عن أفعال لا يمكن الدفاع عنها، فقط بسبب العلاقة القائمة مسبقاً مع الولايات المتحدة.
في رسالتنا أشرنا إلى أن الهجمات الأميركية الإسرائيلية كانت غير مبررة ووقعت بينما كانت المفاوضات جارية، ولفتنا الانتباه إلى بعض الهجمات التي استهدفت المدنيين، بما في ذلك المدرسة الابتدائية في ميناب. كما تناولنا الخطاب الدائر حول البرنامج النووي الإيراني – والذي غالباً ما يكون بعيداً عن الواقع – إضافة إلى التناقض في تصريحات رئيس الوزراء حين يقول إن «كندا تقف إلى جانب الشعب الإيراني» بينما تدعم في الوقت نفسه العدوان الأميركي.
وفي الرسالة طلبنا من رئيس الوزراء سحب تأييد كندا للضربات، وتطبيق المعايير القانونية نفسها على جميع الأطراف المتحاربة، والدعوة إلى وقف الأعمال العدائية، ودعم عمليات التحقق التي تقوم بها الوكالة الدولية للطاقة الذرية واستئناف المسار الدبلوماسي.
نحن نرحب بالبيان الصادر في 8 مارس، الذي أكد فيه كارني أن كندا «لا تخطط للمشاركة في الأعمال الهجومية ضد إيران التي تنفذها الولايات المتحدة وإسرائيل»، لكننا نتابع التطورات عن كثب ونأمل أن تذهب الحكومة الكندية أبعد من ذلك في إدانة الهجمات وأن تقف في وجه الولايات المتحدة كما ألمح في خطابه السابق في المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس.
– وصف مسؤولون كنديون إيران بأنها مصدر رئيسي لعدم الاستقرار في الشرق الأوسط. كيف ترد منظمتكم على هذا التوصيف؟
يبدو أن هذا الوصف هو نقطة دعائية تهدف إلى إخفاء الدور الأميركي نفسه في زعزعة الاستقرار في المنطقة، وكان السيناتور الأميركي ليندسي غراهام من أبرز من يروجون له.
لقد تابعنا عن كثب ما يشبه «مباراة تبادل الضربات» مع إسرائيل التي سبقت حرب الأيام الاثني عشر، وكان كل هجوم إيراني ردّاً متناسباً على اعتداءات إسرائيلية سابقة، وهو حق مكفول في ميثاق الأمم المتحدة. لكن وسائل الإعلام الرئيسية غالباً ما تتجاهل السياق وتركز فقط على الأحداث المباشرة، ما يؤدي إلى تصوير إيران كطرف معتدٍ عبر حذف الخلفية الكاملة للأحداث.
ويصبح هذا التجاهل أكثر وضوحاً عندما يتم التقليل من دور إيران في تحقيق الاستقرار في المنطقة. فخلال قيادة الجنرال الراحل قاسم سليماني، الذي اغتاله الرئيس الأميركي دونالد ترامب عام 2019، نسّقت إيران الحرب ضد تنظيم داعش، وهو أحد أكبر عوامل عدم الاستقرار التي ظهرت في المنطقة بعد الفراغ الذي خلفته الحرب الأميركية على العراق في عهد الرئيس جورج بوش الابن.
وكان بوش قد غزا أفغانستان أيضاً عندما كانت تحت حكم طالبان، وعندما انسحبت القوات الأميركية بعد فشلها في إعادة تأهيل البلاد عاد حكم طالبان القمعي من جديد.
كما أن المغامرات العسكرية الأميركية والتوسع الإسرائيلي، إضافة إلى عودة ظهور داعش، أدت إلى حرب طويلة ضد الحكومة السورية العلمانية انتهت بإسقاطها وصعود حكومة هيئة تحرير الشام المدعومة من إسرائيل بقيادة أحمد حسين الشرع، المعروف باسم الجولاني، وهو عضو سابق في تنظيم القاعدة.
وأخيراً، فإن نظام الفصل العنصري الإسرائيلي والتوسع المستمر للمستوطنات في الأراضي الفلسطينية رغم الإدانة الدولية، والذي بلغ ذروته في إبادة جماعية واسعة خلال العامين والنصف الماضيين، يشكل – على حد تعبير كارني نفسه – «فشلاً للنظام الدولي»، ولن يُحل على الأرجح إلا من خلال حركات عالمية مناهضة للاستعمار.
إن تصريح كارني يبدو غير مطلع بشكل كبير على التاريخ المعاصر للمنطقة، ولا يمكن تفسيره إلا بالتفكير الرغبوي أو الجهل المتعمد.
– نقطة خلاف أخرى تتعلق بموقف كندا من البرنامج النووي الإيراني. كيف تفسرين الجدل القانوني حول حقوق إيران في إطار معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية؟
أتذكر سماعي للنقاشات حول البرنامج النووي الإيراني منذ أن كنت طفلة. فقد ظل رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يدعي منذ أكثر من ثلاثين عاماً أن إيران على وشك امتلاك سلاح نووي. لكن أياً من هذه التنبؤات لم يتحقق. بل إن المرشد الأعلى الراحل آية الله السيد علي خامنئي أصدر فتوى تحرّم امتلاك الأسلحة النووية.
إن تكرار الحديث عن «القضية النووية» في وسائل الإعلام يهدف إلى خلق حالة من الخوف حول إيران، وهو جزء من دعاية طويلة الأمد تهدف إلى تأليب الرأي العام ضدها وتبرير الحرب.
وفي إطار سعيها لتنويع مصادر الطاقة والصناعة وبناء اقتصاد قوي مستقل رغم العقوبات، طورت إيران برنامجاً نووياً مدنياً، وهو حق مكفول لها بموجب المادة الرابعة من معاهدة عدم الانتشار.
ومع ذلك اغتيل عدد من العلماء النوويين الإيرانيين، كما استخدمت الولايات المتحدة وإسرائيل فيروس «ستوكسنت» عام 2009 لتدمير أجهزة الطرد المركزي الإيرانية.
وفي عام 2015، وخلال رئاسة حسن روحاني وباراك أوباما، وافقت إيران على الاتفاق النووي (JCPOA) الذي رفع بعض العقوبات مقابل قبول إيران بعمليات تفتيش صارمة جداً على برنامجها النووي. لكن في عام 2018 انسحب دونالد ترامب من الاتفاق خلال ولايته الأولى، ثم قام بقصف منشآت تخصيب اليورانيوم الإيرانية قرب نهاية حرب الأيام الاثني عشر في 22 يونيو 2025.
ومن الغريب أنه رغم التزام إيران باللوائح، تصر الولايات المتحدة وإسرائيل – اللتان تمتلكان أسلحة نووية – بشدة على منع إيران حتى من الاقتراب من امتلاك قدرة مشابهة. وأرى أن الهدف الحقيقي من ذلك هو إبقاء إيران تحت السيطرة.
وقد دافع بعض الخبراء عن فكرة الردع النووي، وتخشى الولايات المتحدة وإسرائيل من احتمال امتلاك إيران لمثل هذه القدرة في المستقبل. لكن الهجمات المتكررة على العلماء والمنشآت النووية، وانسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي، واغتيال المرشد الأعلى الذي أصدر الفتوى ضد السلاح النووي، قد تؤدي في الواقع إلى تسريع امتلاك إيران لهذه القدرة.
– أشار رئيس الوزراء كارني أيضاً إلى أن كندا لا يمكنها استبعاد المشاركة في الصراع بشكل كامل. ما رد منظمتكم على هذا التصريح؟
يبدو أن رئيس الوزراء كارني كان يحاول ترك الباب مفتوحاً في هذا التصريح، وربما اعتمد على خلفيته في مجال المصارف لاتخاذ قراراته. لكن الحرب لا يجب أن تُعامل كرهان يمكن الفوز به.
يجب أن يستند قرار كندا إلى اعتبارات أخلاقية واضحة تدفعها إلى عدم المشاركة في هجمات غير مبررة وغير عادلة.
لطالما اعتبرت كندا نفسها حليفاً للولايات المتحدة، ولا تزال كذلك رغم تهديدات إدارة ترامب بضم كندا وفرضها رسوماً مالية عليها.
ومع ذلك رفض رئيس الوزراء السابق جان كريتيان المشاركة في حرب العراق رغم احتمال حدوث خلاف مع الحلفاء، ونأمل أن يحذو كارني حذوه.
ولحسن الحظ، يشير بيان كارني الصادر في 8 مارس إلى أن «كندا لا تخطط للمشاركة في العمليات الهجومية ضد إيران». ونأمل أن يبقى الأمر على هذا النحو.
– لقد انتقدتم أيضاً وسائل الإعلام الكندية بسبب ما وصفتموه بالتغطية المحدودة لضحايا المدنيين والأصوات المناهضة للحرب. ما نوع التغطية الإعلامية التي ترغبون في رؤيتها؟
بعد ظهوري في برنامج Power and Politics على قناة CBC، بُثّ مقطع آخر أجرى فيه ديفيد كوكرين مقابلة مع ضيف انتقد المؤتمر الإيراني الكندي. ولم يكشف كوكرين أن هذا الضيف كان مرتبطاً بالمنظمة في السابق.
وقد حاول الضيف تقويض مصداقية المؤتمر عبر هجمات شخصية وتكرار ادعاءات غير موثقة ودعاية حول أعداد القتلى خلال أحداث 8 و9 يناير في إيران، من دون أي مصادر، كما تجاهل الوقائع التي ذكرتها في مقابلتي والتي استندت إلى تقارير إعلامية إسرائيلية وتصريحات وزير الخارجية الأميركي السابق مايك بومبيو.
وخلال ذلك المقطع اعتذر المذيع أربع مرات عن استضافتي كممثلة للمؤتمر الإيراني الكندي. وقد أشاد مركز الشؤون الإسرائيلية واليهودية في كندا (CIJA) بالضيف، وكذلك منظمة Honest Reporting Canada، ما دفع أحد الصحفيين الإيرانيين الكنديين إلى التساؤل عن سبب اهتمام CIJA بمن يتم استضافتهم من الإيرانيين الكنديين.
وعندما راسل المؤتمر الإيراني الكندي أمين المظالم في CBC بشأن عدم كشف القناة لهذه المعلومات وعدم دعوتنا للرد على الاتهامات، قيل لنا إن القرار اتخذ باسم «تحقيق التوازن». بل إن مدونة أمين المظالم أعربت عن أسفها لعدم تلقيها مزيداً من الإشادة على هذا القرار.
إن فكرة «التوازن» هنا مجرد حجة واهية. فـCBC لا تقدم للجمهور السياق اللازم لفهم المعلومات المعروضة، وهي مشكلة شائعة في وسائل الإعلام التقليدية.
وعندما أظهر في وسائل الإعلام، سواء بصفتي ممثلة للمؤتمر أو بصفتي الشخصية، أحاول دائماً أن أستند إلى الحقائق. وهذا ما أتوقعه من وسائل الإعلام أيضاً.
لكن ما نراه غالباً هو محاولة خلق توازن زائف عبر إعطاء وزن متساوٍ لوجهات نظر مختلفة بغض النظر عن مصداقيتها، ما يجعل المستمعين يشعرون بأن القضية معقدة للغاية لدرجة تمنعهم من اتخاذ موقف.
– ما الدور الذي تعتقدين أن كندا يجب أن تلعبه دبلوماسياً لتخفيف التوتر والتوصل إلى حل سلمي للصراع؟
يجب على كندا أن تبدأ بالنظر إلى هذا العدوان بموضوعية استناداً إلى القانون الدولي. كما ينبغي لها أن ترفض بشكل قاطع المشاركة في حرب أقر رئيس الوزراء كارني نفسه بأن الولايات المتحدة بدأت من دون استشارة الأمم المتحدة أو حلفائها.
كما ينبغي لكندا أن تدين الأفعال غير القانونية التي قامت بها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران وأن تعيد العلاقات الدبلوماسية مع إيران.
فبدلاً من السياسات السابقة التي هدفت إلى عزل إيران دبلوماسياً، يمكن لمثل هذه الخطوات أن تخلق أجواء إيجابية تمنح كندا أرضية للتفاوض مع إيران.
ومع ذلك فإن المصادر الأساسية لهذا الصراع تكمن في السياسات العدوانية للولايات المتحدة وإسرائيل، وهو أمر ينبغي على كندا التعامل معه إذا أرادت التوصل إلى حل عادل وسلمي.
– أخيراً، ما الرسالة التي تودين توجيهها إلى الكنديين الذين يحاولون فهم هذا الصراع وتأثيراته على السلام العالمي والقانون الدولي؟
الكنديون الذين يرغبون فعلاً في فهم جذور هذا الصراع ينبغي عليهم قراءة تاريخ إيران الحديث وإسرائيل ودور الولايات المتحدة في غرب آسيا.
ولا يكفي مجرد «الاستماع إلى الأصوات الإيرانية»، بل يجب فهم موقع كل صوت من هذه الأصوات والسياق الذي يأتي منه.
كما يجب استخدام التفكير النقدي والبوصلة الأخلاقية الخاصة بنا لتفسير ما نراه ونسمعه في وسائل الإعلام.
كثير من الكنديين يشعرون بالارتباك عندما يرون موجة هستيرية من بعض أفراد الجالية الإيرانية يشكرون دونالد ترامب على مهاجمة بلدهم.
وفي مثل هذه الحالات لا ينبغي أن نشك في حدسنا. فإذا بدا الأمر «غريباً»، فغالباً لأنه كذلك بالفعل.
* الصورة من : Gersande La Fleche
141 مشاهدة
29 مارس, 2026
325 مشاهدة
23 مارس, 2026
340 مشاهدة
14 مارس, 2026