د. إسماعيل الحاج علي - غاتينو
حقيقة المقال
ينطلق المقال المتداول والمنسوب إلى الدكتورة شيدا عراقجي من حقيقة لا يصعب التسليم بها، وهي أن الإسلام ليس ملكية قومية للعرب، وأن عروبة النبي صلى الله عليه وآله وعربية القرآن لا تمنحان شعباً بعينه حق الاستعلاء على بقية المسلمين. كما يصيب المقال حين يكشف التناقض بين التفاخر بالإرث العربي الإسلامي وبين خضوع بعض الأنظمة العربية للهيمنة الأميركية، وارتهان قراراتها السياسية والأمنية لإرادة القوى التي رعت تفتيت المنطقة وحمت الكيان الصهيوني. غير أن صحة هذا التشخيص لا تعني أن النص جاء بحقيقة غائبة، ولا أنها تُقال بالضرورة بالطريقة نفسها وفي كل ظرف.
ذاكرة التشيع
لقد عرف التشيع، طوال تاريخه، طعنات سلطات ونخب رفعت راية الإسلام والعروبة، ثم تحالفت مع خصوم الأمة لقمع مدرسة أهل البيت ومحاصرة أتباعها. ولذلك لا يحتاج أهل البصيرة في هذه المدرسة إلى مقال جديد ليكتشفوا مرارة ذلك التاريخ. لكن التشيع، بحكم موقعه الرسالي، لم يتحرك دائماً بمنطق إعلان كل ما يعرفه، بل وازن بين صدق الحقيقة ومآلات نشرها، لأن الكلمة الصحيحة قد تتحول، حين تُقال في الزمن الخطأ أو أمام الجمهور غير المهيأ، من وسيلة لكشف الظلم إلى وقود يهدد البيت الإسلامي كله.
معيار المسؤولية
ومن هنا، لا يتعلق الاعتراض بأصل نقد الأنظمة التابعة والمتآمرة، بل باللغة التي قد تنقل المسؤولية من تلك الأنظمة والنخب إلى العرب بوصفهم عرقاً واحداً. ففي العرب شيعة ومقاومون وأحرار ومظلومون دفعوا أثماناً باهظة دفاعاً عن الإسلام وفلسطين، كما أن الفرس ليسوا جميعاً ممثلين لجبهة الحق. وحين تتحول محاسبة الفاعل السياسي إلى إدانة جماعية لشعب أو عرق، فإننا لا نكون قد تجاوزنا العصبية، بل نكون قد استبدلنا عصبية عربية بعصبية فارسية مضادة. أما ميزان مدرسة أهل البيت فليس الدم ولا اللسان، بل العدل والولاية والموقف من المستكبر والمستضعف.
فقه الكلمة
وهذا المعنى تؤصله الآيات القرآنية التي لا تفصل صدق القول عن أثره ومآله، فقد أمر الله تعالى عباده أن يقولوا التي هي أحسن لأن الشيطان ينزغ بينهم، ونهى المؤمنين عن أن يحملهم بغض قوم على ترك العدل، بل نهاهم عن سب معبودات المشركين عندما يؤدي ذلك إلى سب الله عدواً بغير علم. وفي الاتجاه نفسه جاءت الحكمة المروية عن أهل البيت عليهم السلام: «ما كل ما يُعلم يُقال، ولا كل ما يُقال حان وقته، ولا كل ما حان وقته حضر أهله»، ويؤكد أمير المؤمنين عليه السلام هذا الميزان بقوله: «لا تقل ما لا تعلم، بل لا تقل كل ما تعلم». فالحكمة ليست خوفاً من الحقيقة، بل فقهاً لعبارتها وتوقيتها وجمهورها ونتائجها.
حروب الوعي
وتزداد ضرورة هذا الفقه في زمن لم تعد فيه الحرب مقصورة على الميدان العسكري، بل أصبحت مروحة من الجبهات تشمل الإعلام والخوارزميات والحرب النفسية وتسعير الهويات وضرب الثقة وتفكيك البيئات الحاضنة. وفي مثل هذه الحرب لا يحتاج صانع الفتنة دائماً إلى اختراع الأكاذيب، فقد تكفيه حقيقة جزئية ينتزعها من سياقها، ثم يعيد ضخها في لحظة ملتهبة حتى تتحول إلى صراع عربي فارسي يخدم العدو المشترك. ولا يجوز الجزم بأن تداول نص بعينه عملية مدبرة من دون دليل رقمي، لكن لا يجوز أيضاً إغفال قابلية النصوص الصحيحة للاستثمار السياسي والنفسي. لذلك لا يكفي أن نسأل عن صحة المقال، بل ينبغي أن نسأل عن توقيت استدعائه ومسار نشره والأثر الذي ينتجه والجهة المستفيدة منه. ففي حروب الوعي قد تكون أخطر الأسلحة حقيقة صحيحة، وُضعت في السياق الذي يحولها من نور يكشف العدو إلى نار تمزق الأمة من داخلها.
حقيقة المقال
ينطلق المقال المتداول والمنسوب إلى الدكتورة شيدا عراقجي من حقيقة لا يصعب التسليم بها، وهي أن الإسلام ليس ملكية قومية للعرب، وأن عروبة النبي صلى الله عليه وآله وعربية القرآن لا تمنحان شعباً بعينه حق الاستعلاء على بقية المسلمين. كما يصيب المقال حين يكشف التناقض بين التفاخر بالإرث العربي الإسلامي وبين خضوع بعض الأنظمة العربية للهيمنة الأميركية، وارتهان قراراتها السياسية والأمنية لإرادة القوى التي رعت تفتيت المنطقة وحمت الكيان الصهيوني. غير أن صحة هذا التشخيص لا تعني أن النص جاء بحقيقة غائبة، ولا أنها تُقال بالضرورة بالطريقة نفسها وفي كل ظرف.
ذاكرة التشيع
لقد عرف التشيع، طوال تاريخه، طعنات سلطات ونخب رفعت راية الإسلام والعروبة، ثم تحالفت مع خصوم الأمة لقمع مدرسة أهل البيت ومحاصرة أتباعها. ولذلك لا يحتاج أهل البصيرة في هذه المدرسة إلى مقال جديد ليكتشفوا مرارة ذلك التاريخ. لكن التشيع، بحكم موقعه الرسالي، لم يتحرك دائماً بمنطق إعلان كل ما يعرفه، بل وازن بين صدق الحقيقة ومآلات نشرها، لأن الكلمة الصحيحة قد تتحول، حين تُقال في الزمن الخطأ أو أمام الجمهور غير المهيأ، من وسيلة لكشف الظلم إلى وقود يهدد البيت الإسلامي كله.
معيار المسؤولية
ومن هنا، لا يتعلق الاعتراض بأصل نقد الأنظمة التابعة والمتآمرة، بل باللغة التي قد تنقل المسؤولية من تلك الأنظمة والنخب إلى العرب بوصفهم عرقاً واحداً. ففي العرب شيعة ومقاومون وأحرار ومظلومون دفعوا أثماناً باهظة دفاعاً عن الإسلام وفلسطين، كما أن الفرس ليسوا جميعاً ممثلين لجبهة الحق. وحين تتحول محاسبة الفاعل السياسي إلى إدانة جماعية لشعب أو عرق، فإننا لا نكون قد تجاوزنا العصبية، بل نكون قد استبدلنا عصبية عربية بعصبية فارسية مضادة. أما ميزان مدرسة أهل البيت فليس الدم ولا اللسان، بل العدل والولاية والموقف من المستكبر والمستضعف.
فقه الكلمة
وهذا المعنى تؤصله الآيات القرآنية التي لا تفصل صدق القول عن أثره ومآله، فقد أمر الله تعالى عباده أن يقولوا التي هي أحسن لأن الشيطان ينزغ بينهم، ونهى المؤمنين عن أن يحملهم بغض قوم على ترك العدل، بل نهاهم عن سب معبودات المشركين عندما يؤدي ذلك إلى سب الله عدواً بغير علم. وفي الاتجاه نفسه جاءت الحكمة المروية عن أهل البيت عليهم السلام: «ما كل ما يُعلم يُقال، ولا كل ما يُقال حان وقته، ولا كل ما حان وقته حضر أهله»، ويؤكد أمير المؤمنين عليه السلام هذا الميزان بقوله: «لا تقل ما لا تعلم، بل لا تقل كل ما تعلم». فالحكمة ليست خوفاً من الحقيقة، بل فقهاً لعبارتها وتوقيتها وجمهورها ونتائجها.
حروب الوعي
وتزداد ضرورة هذا الفقه في زمن لم تعد فيه الحرب مقصورة على الميدان العسكري، بل أصبحت مروحة من الجبهات تشمل الإعلام والخوارزميات والحرب النفسية وتسعير الهويات وضرب الثقة وتفكيك البيئات الحاضنة. وفي مثل هذه الحرب لا يحتاج صانع الفتنة دائماً إلى اختراع الأكاذيب، فقد تكفيه حقيقة جزئية ينتزعها من سياقها، ثم يعيد ضخها في لحظة ملتهبة حتى تتحول إلى صراع عربي فارسي يخدم العدو المشترك. ولا يجوز الجزم بأن تداول نص بعينه عملية مدبرة من دون دليل رقمي، لكن لا يجوز أيضاً إغفال قابلية النصوص الصحيحة للاستثمار السياسي والنفسي. لذلك لا يكفي أن نسأل عن صحة المقال، بل ينبغي أن نسأل عن توقيت استدعائه ومسار نشره والأثر الذي ينتجه والجهة المستفيدة منه. ففي حروب الوعي قد تكون أخطر الأسلحة حقيقة صحيحة، وُضعت في السياق الذي يحولها من نور يكشف العدو إلى نار تمزق الأمة من داخلها.
62 مشاهدة
16 أغسطس, 2026
36 مشاهدة
16 أغسطس, 2026
38 مشاهدة
16 أغسطس, 2026