Sadaonline

بين زمن البحث الحقيقي وزمن الذكاء الاصطناعي… أين نقف اليوم؟

الذكاء الاصطناعي لم يُلغِ الباحث الحقيقي، بل كشف الفارق بين من يملك فكرًا، ومن يملك أداة فقط

الباحثة التربوية د.: وفاء مروة
نحمد الله أننا كتبنا وبحثنا واشتغلنا في زمنٍ كان فيه القلم مسؤولية، والبحث رحلة طويلة من القراءة، والتجربة، والمراجعة، والشكّ، ثم اليقين. زمنٍ لم يكن فيه النشر سهلًا، ولا الوصول إلى المعرفة بضغطة زر، بل كان العلم يُنتزع انتزاعًا من بين الكتب، والميدان، والتجربة الحقيقية.
قبل ظهور الذكاء الاصطناعي، أُنجزت أبحاث تربوية وكتب وإصدارات بجهدٍ بشريّ خالص، وبمسار علمي واضح، يقوم على التراكم المعرفي والخبرة الميدانية. واليوم، نعم، نستخدم الذكاء الاصطناعي، لكننا نستخدمه كأداة مساعدة لا أكثر؛ للتنقيح، والترتيب، والتطوير، ومراجعة ما كُتب سابقًا، لا ليحلّ مكان الفكر، ولا ليصنع علمًا من فراغ.
المشكلة لا تكمن في الذكاء الاصطناعي ذاته، بل في طريقة استخدامه. فنحن نعيش اليوم ظاهرة لافتة، حيث أصبح النشر متاحًا للجميع، وأصبح كل من يملك أداة قادرًا على إصدار كتاب، أو إعداد دورة، أو نشر ما يُسمّى بحثًا، يحمل شكل البحث دون جوهره.
وهنا يُطرح السؤال الجوهري:
هل هذا الواقع مقبول؟ وإلى أين وصلنا اليوم؟
من حيث الإمكان التقني، نعم، كل شيء أصبح ممكنًا.
لكن من حيث القيمة العلمية والأخلاقية، نحن أمام مفترق طرق حقيقي. فالذكاء الاصطناعي لم يُلغِ الباحث الحقيقي، بل كشف الفارق بين من يملك فكرًا، ومن يملك أداة فقط؛ بين من يكتب لأنه يعرف، ومن يكتب لأنه يستطيع.
لقد دخلنا زمنًا يطغى فيه الكمّ، ويقلّ فيه العمق، وتعلو فيه الأصوات أكثر مما تعلو القيمة. ومع ذلك، يبقى الاطمئنان في أن العلم الحقيقي لا يضيع، بل قد يتوارى قليلًا، ثم يعود أكثر رسوخًا، لأن الجودة لا تُزوَّر، والخبرة لا تُختصر، والأثر الحقيقي لا يُصنَع آليًا.
خاتمة
لسنا ضد التطور، ولسنا في مواجهة الذكاء الاصطناعي، بل نحن مع الوعي في استخدامه، ومع الحفاظ على أخلاقيات البحث، والمنهج العلمي، والضمير التربوي. فالأدوات، مهما بلغت من تطور، لا تصنع باحثًا، ولا تخلق مربّيًا، ولا تُنتج معرفة حيّة بلا إنسان يحمل فكرًا، وخبرة، ورسالة.
نحن اليوم في مرحلة اختبار حقيقية: اختبار للباحث، وللمربّي، وللقيمة العلمية نفسها. ومن ينجح في هذا الاختبار بفكره لا بأداته فقط، سيبقى… مهما تغيّرت الأزمنة.