شوقي درويش ـ مونتريال
ليست كل أزمات التربية ناتجة عن القسوة أو الإهمال؛ بل إن بعض أعقدها يولد من فائض الحب نفسه. ذلك الحب الذي يتضخم حتى يفقد توازنه، فيتحول من قوةٍ حامية إلى حجابٍ يحجب الرؤية.
في نمطٍ متكرر في بعض البيئات المثقفة، يظهر أبٌ واسع الاطلاع، عميق الحسّ، ينطلق من قناعة راسخة بأن الطفل كائن مكتمل الكرامة، يستحق أن يُعامل منذ بداياته بوصفه إنسانًا واعيًا. ومن هنا، تنشأ علاقة تقوم على الحوار، وعلى قدرٍ عالٍ من “الندية” الفكرية.
في ظاهر الأمر، يبدو هذا الخيار ارتقاءً تربويًا. لكن في عمقه، قد يخفي خللًا دقيقًا.
اختزال الطفولة في الوعي
الطفولة ليست مرحلة نقص معرفي فحسب، بل هي طور تأسيسٍ عاطفيّ وتدريبيّ على فهم الذات والعالم.
وعندما يُدفع الطفل مبكرًا إلى فضاء التحليل العقلي، ويُعامل كندٍّ في النقاش، فإن ذلك لا يمنحه نضجًا بقدر ما يحمّله ما ا طاقة له به.
فالطفل لا يحتاج في هذه المرحلة إلى من يحاوره كفيلسوف، بقدر ما يحتاج إلى من يحتويه ضمن حدود واضحة.
والحدود هنا ليست قيدًا، بل إطار أمان.
وحين تُرفع هذه الحدود باسم الاحترام أو الوعي، يُفتح أمام الطفل مجال واسع، لكنه بلا أدوات كافية لإدارته.
وهنا يبدأ التعويض.
من الحماية إلى الانفعال
حين يتماهى الأب عاطفيًا مع صورة مثالية عن ابنه، يصبح أي احتكاك خارجي تهديدًا لهذه الصورة.
فيتحول الدفاع إلى ردّ فعل، وردّ الفعل إلى اندفاع.
وبدل أن يكون الأب مرجعًا لفهم ما يحدث، يصبح طرفًا في الصراع.
لا يُفكك الرواية، بل يتبناها فورًا، مدفوعًا بعاطفة الحماية.
غير أن هذا النمط، وإن بدا نصرةً للطفل، يترك أثرين عميقين:
* ترسيخ تصور أن العالم مكان ظالم، وأن الآخر خصم بالضرورة.
* وتعليم ضمني بأن إثارة الانفعال هي الطريق الأسرع للحصول على الاستجابة.
حين يتعلم الطفل إدارة المشاعر
الأطفال لا يمتلكون خبرةً نظرية، لكنهم يملكون حسًا دقيقًا بالتجربة.
ومع الوقت، يكتشف الطفل أن بعض السرديات—وخاصة تلك المشحونة بالألم أو الظلم—تُحدث أثرًا أكبر في محيطه.
وهنا، دون وعيٍ كامل، يبدأ بتوسيع هذا المسار.
لا بدافع الخداع، بل بدافع تثبيت موقعه داخل العلاقة.
فتصبح المشاعر وسيلة تأثير، ويتحول السرد إلى أداة إدارة.
وفي هذه اللحظة، لا تكون المشكلة في صحة الرواية أو خطئها، بل في النمط الذي يتشكل:
نمط يُدار بالعاطفة المتصاعدة، لا بالتحقق الهادئ.
الأبوة بين الحماية والبناء
الفارق بين الحماية والبناء، دقيق لكنه حاسم.
الحماية تعزل الطفل عن الأذى مؤقتًا،
أما البناء، فيُنشئ فيه قدرة على مواجهته.
والطفل الذي ينشأ في ظل اندفاعات دفاعية متكررة، قد يكبر وهو هشّ أمام أبسط احتكاك.
بينما الذي يتعلم التمييز، ينمو وفي داخله ميزان.
ليس المطلوب هنا قسوة، ولا تقليلًا من شأن المشاعر،
بل ضبطٌ لها ضمن إطار أوسع من الفهم.
حين تنحني الثقافة لمقتضى المرحلة
المعرفة الواسعة لا تُخطئ، لكن استخدامها قد يخطئ.
فلكل مرحلةٍ من النمو منطقها، ولكل عمرٍ لغته.
والتربية لا تقوم على نقل الأفكار فحسب، بل على مرافقة التكوين.
وأحيانًا، يكون ما يحتاجه الطفل أقلّ من خطابٍ عميق، وأكثر من حضورٍ بسيط:
لعبة، ضحكة، أو حتى صمتٌ مطمئن.
فالنضج لا يُفرض من الخارج، بل يُبنى من الداخل، خطوةً خطوة.
في النهاية، ليست المشكلة في مقدار الحب، بل في توازنه.
فالحب إذا لم تُهذبه الحكمة، قد يُنتج هشاشة بدل القوة.
وأعظم ما يمكن أن يُمنح للطفل، ليس عالمًا بلا صدمات،بل نفسًا قادرة على فهمها، دون أن تنكسر بها.
52 مشاهدة
18 أبريل, 2026
113 مشاهدة
17 أبريل, 2026
146 مشاهدة
17 أبريل, 2026