سامر المجذوب* ـ مونتريال
من المقرر أن تبدأ المحكمة العليا الكندية جلسات استماع تمتد لخمسة أيام ابتداءً من 23 مارس 2026، للنظر في الطعون المقدّمة ضد قانون 21، الذي أُقر عام 2019 في كيبيك. ومنذ اعتماده، لم يتوقف الجدل حول هذا القانون الذي يفرض قيودًا على ارتداء ما يُعرف "بالرموز الدينية" داخل بعض مؤسسات الدولة. ومع وصول القضية إلى أعلى هيئة قضائية في البلاد، لم يعد النقاش محليًا، بل تحوّل إلى قضية وطنية تمس جوهر النظام الدستوري الكندي، وتضع البلاد أمام اختبار حقيقي للتوازن بين حماية الحقوق الفردية وصلاحيات الحكومات المحلية في سنّ تشريعات قد تتجاوز حريات المواطنة.
يُعرف هذا التشريع باسم “قانون علمانية الدولة”، وتدعي حكومة ائتلاف مستقبل كيبيك باعتباره وسيلة لضمان حياد المؤسسات العامة والفصل بين الدين والدولة. إلا أن تطبيقه يشمل فئات محددة من الموظفين، مثل المعلمين والقضاة وضباط الشرطة، وبينما يرى مؤيدو القانون أنه يدعون حيادية دولة، يعتبره معارضوه انتهاكًا صريحًا للحريات الأساسية، وعلى رأسها حرية الدين والتعبير، بل ويمسّ بشكل خاص بحقوق النساء، مع الإشارة إلى تأثيره غير المتناسب على فئات اجتماعية بعينها.
وتزداد حساسية هذا الملف بسبب اعتماد حكومة كيبيك على بند الاستثناء، الذي يسمح للحكومات بتجاوز بعض الحقوق الدستورية و المواطنة المنصوص عليها في الميثاق الكندي للحقوق والحريات. وقد استُخدم هذا البند بشكل استباقي لحماية القانون من الإبطال القضائي، ما أثار نقاشًا واسعًا حول حدوده، وما إذا كان يمثل أداة دستورية مشروعة أم وسيلة للالتفاف على الضمانات الأساسية للحقوق والحريات.
ومع انتقال الملف إلى المحكمة العليا الكندية، لم يعد الجدل محصورًا في قانون 21 وحده، بل امتد ليشمل أسئلة أعمق تتعلق بطبيعة النظام الدستوري في كندا. فهل يمكن وضع قيود على استخدام بند الاستثناء؟ وهل تملك المحاكم سلطة التدخل عندما تُعلّق الحقوق بتشريع مباشر؟ وهل يؤدي الاستخدام المتكرر لهذا البند إلى إفراغ الميثاق من مضمونه؟ هذه التساؤلات تضع المحكمة أمام مسؤولية تاريخية، إذ إن حكمها المرتقب قد يعيد رسم العلاقة بين السلطتين القضائية والتشريعية في البلاد.
وفي السياق ذاته، لم تعد كيبيك الحالة الوحيدة، إذ بدأت مقاطعات أخرى مثل أونتاريو وألبرتا وساسكاتشوان في اللجوء إلى بند الاستثناء لتمرير قوانين مثيرة للجدل دون الخضوع لرقابة قضائية فعالة. وقد أثار هذا التوسع مخاوف متزايدة لدى خبراء القانون من أن يتحول هذا البند من استثناء محدود إلى أداة سياسية متكررة، بما قد يؤدي تدريجيًا إلى إضعاف منظومة حماية الحقوق في كندا.
في عمق هذا الجدل يبرز صراع فلسفي بين مبدأين أساسيين: سلطات تعبر عنها الحكومات المحلية، المقاطعات ، وأولوية حماية الحقوق الفردية التي تضطلع بها المحاكم. فبينما يرى البعض أن بند الاستثناء يعزز صلاحيات المقاطعات ويمنحها القدرة على اتخاذ قرارات حاسمة ، يحذر آخرون من أن استخدامه دون قيود قد يفتح الباب أمام تهميش فئات معينة وتقليص الحريات الأساسية التي تقوم عليها كرامة الانسان.
ومع اقتراب صدور قرار المحكمة العليا الكندية، تترقب الأوساط السياسية والقانونية في كندا حكمًا قد لا يحدد فقط مصير قانون 21، بل قد يرسم أيضًا ملامح المرحلة المقبلة في تطور النظام الدستوري الكندي. ففي بلد يقوم على التعددية واحترام التنوع، تبدو هذه القضية أكثر من مجرد نزاع قانوني، بل اختبارًا حقيقيًا لقدرة كندا على التوفيق بين هويتها الجماعية والتزامها بحماية الحقوق الفردية.
*رئيس المنتدى الإسلامي الكندي
39 مشاهدة
22 مارس, 2026
218 مشاهدة
20 مارس, 2026
154 مشاهدة
17 مارس, 2026