د. بلال العاملي ـ مونتريال
نهضة لبنان الإقتصادية و الإجتماعية
من عام 1920، تاريخ ولادة لبنان الكبير حتى عام 1958، مرّ لبنان بإضطرابات سياسية و طائفية. فخلال تلك الفترة، تعاقب عدة رؤساء على الحكم وبقي لبنان غير واضح المعالم اقتصادياً و سياسياً و اجتماعياً. و في عهد كميل شمعون (1952-1958) حصلت مواجهات دموية بين المسلمين و المسيحيين الذين كانوا يسيطرون على الدولة. عكست تلك المواجهات الصراع بين إسرائيل من جهة و دعاة القومية العربية من جهة أخرى. فمن الجانب الإسرائيلي، في عام 1955 وضع دافيد بن غوريون أول رئيس وزراء للكيان الإسرائيلي، خطة لزعزعة استقرار سوريا و مصر إنطلاقاً من لبنان. و اقتضت خطته بزرع الفتن بين المسلمين و المسيحيين لتفتيت تركيبة لبنان الإجتماعية و الدفع باتجاه قيام دولة مسيحية يحكمها موارنة لبنان. أما بالنسبة لدعاة القومية العربية فقد تأثروا بالطروحات القومية لرئيس مصر الراحل جمال عبد الناصر، خصوصاً بعد تشكيل الجمهورية العربية المتحدة بين مصر و سوريا، فأخذوا يطالبون بالإنضمام إلى الوحدة العربية، فطلب الرئيس كميل شمعون (1952-1958) تدخل قوات المارينز الأمركية، فأُخمدت الإنتفاضة الإسلامية، و لحل الأزمة تقرر عدم التجديد لكميل شمعون لولاية ثانية.
انصرف بعدها الرئيس شهاب لتحديث النظام اللبناني فأنشأ مؤسسات الدولة و نظم إدارة البلاد، و قام بتطوير النظامين الإقتصادي و الإجتماعي، في سابقة لا مثيل لها لا من قبل و لا من بعد. فمن أبرز المؤسسات و الهيئات التي أنشأها أو أعاد تنظيمها التالية:
- مجلس الخدمة المدنية
- هيئة التفتيش المركزي
- ديوان المحاسبة
- مصلحة الإنعاش الإجتماعي
- مجلس التخطيط و الإنماء
- مصرف لبنان
- كلية الحقوق و العلوم السياسية و الإدارية
أضف إلى ذلك توسيع مرفأ بيروت و مطار بيروت الدولي و تحديث البنى التحتية كالأوتوسترادات و المستشفيات و المدارس.
في عهد الرئيس فؤاد شهاب عاش اللبنانيون في بحبوحة مالية و في أمان و استقرار، مما جعل لبنان مقصداً للمستثمرين و السواح العرب و الأجانب، فانتعش النظام المصرفي فأصبحت العملة اللبنانية تنافس الدولار الأمريكي، كما تميز لبنان بأرقى الجامعات و بأفضل المستشفيات في الشرق الأوسط، حتى لقب ب"سويسرا الشرق". و ساعدت مقاطعة الدول العربية لإسرائيل في انعاش الإقتصاد. فأصبح مرفأ بيروت الممر الإلزامي لسفن الشحن لكافة دول المنطقة و حوض البحر المتوسط، بدلاً من مرفأ حيفا في فلسطين المحتلة. و كذلك حل مطار بيروت الدولي مكان مطار اللد في فلسطين المحتلة، كالمحطة الرئيسية لحركة الطيران في المنطقة.
محاولات إسرائيل لنسف الإقتصاد اللبناني
كان الإسرائيليون ينظرون إلى لبنان بعين ملؤها الحسد. فقرروا القضاء على تلك الواحة الحضارية. فقامت إسرائيل بعمل إرهابي حين قصفت مطار بيروت الدولي عام 1968، مدمرة اثني عشر طائرة ركاب تابعة لشركة طيران الشرق الأوسط، مما شكل ضربة قاسية للإقتصاد و للأمان الذي كان لبنان ينعم به. و بعد ذلك كرت مسبحة الإعتداءات الإسرائيلية على لبنان بحجة الرد على المقاومة الفلسطينية، التي اتخذت من لبنان قاعدة لها لبدء العمليات الفدائية ضد إسرائيل، بعد طردها من الأردن نتيجة أحداث أيلول الاسود عام 1970. و الذي زاد في الطين بلة، توقيع السلطات اللبنانية ما سمي ب"إتفاق القاهرة" عام 1969مع منظمة التحرير الفلسطينية الذي سمح للمخيمات الفلسطينية الدفاع عن نفسها بوجه الغارات الإسرائيلية المتكررة. فكانت النتيجة استخدام جنوب لبنان من قبل التنظيمات الفلسطينية كمنصة لإطلاق صواريخ الكاتيوشا على منطقة الجليل الأعلى لفلسطين المحتلة. وقد سبب ذلك دماراً هائلاً للقرى الجنوبية و ألاف القتلى و الجرحى من المدنيين بسبب الرد الإسرائيلي العنيف، و توغل القوات الإسرائيلية داخل جنوب لبنان في 1973 و 1978 و1982، بينما رفضت كل من الأردن و مصر و سوريا أن تسمح للفلسطينيين بالعمل الفدائي، بالرغم من أن لها حدود مع إسرائيل أكبر بكثير من الحدود اللبنانية.
لا بد من الإشارة إلى أن محاولة إسرائيل القضاء على مقومات لبنان الإقتصادية لا زالت قائمة حتى يومنا هذا، فمما لا شك فيه، و وفقاً لمعلومات أدلى بها مسؤولون لبنانيون و غربيون، أن إسرائيل هي التي فجرت مرفأ بيروت في 4 آب عام 2020. ففي 9 آب/ أغسطس 2020، أي بعد خمسة أيام من تفجير مرفأ بيروت، نقل الصحافي الأمريكي كيفن بارت (Kevin Barret) عبر موقع (Veterans Today) الأمريكي أنه تلقى إتصالاً من أحد كبار المسؤولين العسكريين المتقاعدين في لبنان صرح فيه عن وجود دليل لدى الجهات الأمنية بتورط إسرائيل بعملية تفجير مرفأ بيروت و أرسل له فيديو يظهر إطلاق صاروخين موجهين من طائرة F-16 . ذكر الصحافي بأن هناك عدة فيديوهات عن الصوراريخ ظهرت لفترة وجيزة على وسائل التواصل الإجتماعي ثم اختفت كلياً و منع من نشرها. و قدم الصحافي المذكور السردية الكاملة لقصة الباخرة المحملة بالنترات الأمونيوم و تورط إسرائيل و عدت جهات دولية في تحميلها و مسيرتها و توقفها المقصود في مرفأ بيروت. كان الهدف تدمير مرفأ بيروت،. و توجد تفاصيل في الرابط التالي:
Who Nuked Beirut? | VT Foreign Policy
و في مقابلة صحافية بين سمر أبو خليل، من تلفزيون الجديد، و وزير الداخلية السابق و الرئيس السابق لمنظمة الأنتربول الدولي الياس المر في 22 نيسان/ أبريل 2024، اتهم الوزير المر إسرائيل علناً بتفجير مرفأ بيروت بإطلاق صاروخ من طائرة حربية على عنبر المرفأ الذي كان يحتوي على نترات الأمونيوم. و للمفارقة، جاء إنفجار مرفأ بيروت بعد عامين على كلمة رئيس وزراء أسرائيل نتنياهو أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في 27 أيلول/ سبتمبر 2018 ، حين اتهم حزب الله بتخزين صواريخ قرب مطار و مرفأ بيروت شاهراً خريطة تظهر حسب إدعاءه أمكنة التخزين. و لكن للأسف تحول التحقيق القضائي بعيداً عن الحقيقة و وجهت التهم لطرفٍ داخلي، بعد الضغوط الأمريكية على المحقق العدلي لتسييس التحقيق.
هل يعي اللبنانيون حقيقة المؤامرة الصهيو-أمريكية التي تهدف إلى تدمير لبنان كرماً لعيون طفلتها المدللة إسرائيل، أم على قلوب أقفالها و على عيونهم غشاوة من الجهل و الحقد، أم طمعاً بمال أو منصب؟
76 مشاهدة
16 أبريل, 2026
246 مشاهدة
15 أبريل, 2026
111 مشاهدة
13 أبريل, 2026