د. علي ضاهر
كل عام، يهب العالم، هبة رجل واحد، ليؤدي الطقوس السنوية لذكرى 11 أيلول/سبتمبر، كما لو أن الكوكب كله موظف في وزارة يمكن تسميتها "وزارة الحزن والأسى الأميركية".
لا أحد يقلل من مأساة مقتل ثلاثة آلاف إنسان. لكن المأساة، أي مأساة، لا يجب ان تفقد قيمتها إذا تغيّر لون البشرة. ولا يجب ان يصبح الدم أقل حمرة إذا كان صاحبه عراقيًا أو فلسطينيًا أو لبنانياً أو لاتينيًا او فيتناميا. هنا يطرح السؤال الذي يكره العالم الغربي سماعه: لماذا يحق لأميركا أن تشعر بالإهانة، بينما يُطلب من غيرها أن يمارس اليوغا؟ هل نحن أمام عالم فيه بلدان بسمنة: تُصفع فتنتفض، تُهان فتثور، تُمسّ مصالحها فتقلب الطاولة؟ وبلدان بزيت: تُقصف فيُطلب منها التهدئة، تُحتل فتُدعى إلى الحوار، تُقتل شعوبها فتُمنح دروسا في ضبط النفس؟ وإذا كان قتل المدنيين في الحادي عشر من سبتمبر إرهابا، فبأي سحر يتحول تفجير أجهزةِ "البيجر" بين آلاف المدنيين في دقيقة واحدة إلى "إنجازٍ تكنولوجي" يُهَنَّؤُونَ ويُشكرون عليه؟ ولماذا يصبح قتل المدنيين هنا "إرهابا"، وهناك "أضرارا جانبية"؟ ولماذا يكون الاعتداء على دولة عدوانا، بينما يصبح الاعتداء على دولة أخرى "ضربة استباقية"؟ ولماذا يكون قتل شخص هنا جريمة لا تُغتفر، وقتل قادة هناك "عملاً مشروعا"؟ ولماذا يكونُ الاحتلالُ "دفاعاً عن النفسِ" في قاموس، بينما تصبحُ مقاومةُ هذا الاحتلالِ "إرهابا" في قاموس آخر؟
وعلى سيرة الإرهاب ومن يُمنح هذا اللقب، تُستعاد حكاية من حرب التحرير الجزائرية. فرنسا التي جاءت حاملة لواء "نشر الحضارة"، سرعان ما اكتشف الجزائريون أن حضارتها مزودة بباقة خدمات إضافية: نهبٌ، وتعذيبٌ، وإعداماتٌ بلا تردّد. في هذا السياق تبرز قضية إعدام "العربي بن مهيدي"، التي حاولت السلطات الفرنسية تسويقها على أنها انتحار. قبيل قتله، قال له ضابط فرنسي: "أنت إرهابي، تصنع القنابل وتضعها في السلال التي تحملها النساء". رد بن مهيدي بجملة تحولت إلى دستور للمقاومين: "أعطونا طائراتكم وقنابل النابالم، وسنعطيكم سلالنا".
هذه الجملة وحدها كافية لفضح مسرحية الأقوياء: فالقوي يملك السلاح ويملك معه حق تسمية السلاح. الطائرة التي تقصف من السماء يسميها "عملية نوعية"، والقنبلة التي تفتك بالمدنيين يحولها إلى "ضرر جانبي"، والاحتلال يُقدمه باعتباره مهمة "حضارية"، والهجوم على بلد آخر يمنحه اسما أنيقا مثل "عملية استباقية". أما حين يردّ الطرف الأضعف، فتتبدل اللغة: يصبح الحجر "سلاحا خطيرا"، والمقاومة "إرهابًا"، والمقاوم "إرهابيًا". وهكذا يتحول القاموس إلى سلاحٍ جراحه أبلغ من جراح الصواريخ. ويبدو أن للإرهاب قاموسين: واحدا يُكتب في الغرب، حيث يمكن للقنابل أن تكون "ذكية"، وللقصف أن يكون "دقيقا"، ولقتل المدنيين أن يُعاد تدويره تحت لافتة "أضرار جانبية"، ويُعاد تغليف الاحتلال بأسماء جميلة لا علاقة لها بالاحتلال؛ وقاموسا آخر يُكتب في البلاد والقرى المحاصرة والمخيمات والسجون، حيث يصبح الحجر جريمة، والسلة قنبلة، والمقاومة تهمة إرهابية.
المشكلة ليست أن هناك دولًا "بسمنة" وأخرى "بزيت"، بل أن السمنة عند الأقوياء تُسمّى كرامة، والزيت عند الضعفاء يُسمّى ضبط النفس. فإذا قتل ثلاثة آلاف أميركي، اهتزّ العالم وأُعيد رسم خرائطه بحجة الثأر. أما إذا قُتل الآلاف في مكان آخر، فالمطلوب التحلي بالحكمة والصبر ومنح الدبلوماسية فرصة، واستيعاب "ضرورات الأمن". فالعالم لا يوزع العدالة بحسب حجم الجريمة، بل بحسب وزن صاحب الجريمة في ميزان القوة. وما على الضعفاء في هذا العالم، إذا أرادوا الحياة، إلا أن يبحثوا عن مصادر القوة ويعملوا على اقتنائها. فالدنيا لا تُؤخَذ إلا غلابًا! والغلاب هنا هو الجرأة على انتزاع حق العيش من عالم يفضل أن يراهم خاضعين، خانعين، ومتوسلين، كأن الحياة امتياز لا يُمنح إلا لمن يجيد الانحناء.
كل عام، يهب العالم، هبة رجل واحد، ليؤدي الطقوس السنوية لذكرى 11 أيلول/سبتمبر، كما لو أن الكوكب كله موظف في وزارة يمكن تسميتها "وزارة الحزن والأسى الأميركية".
لا أحد يقلل من مأساة مقتل ثلاثة آلاف إنسان. لكن المأساة، أي مأساة، لا يجب ان تفقد قيمتها إذا تغيّر لون البشرة. ولا يجب ان يصبح الدم أقل حمرة إذا كان صاحبه عراقيًا أو فلسطينيًا أو لبنانياً أو لاتينيًا او فيتناميا. هنا يطرح السؤال الذي يكره العالم الغربي سماعه: لماذا يحق لأميركا أن تشعر بالإهانة، بينما يُطلب من غيرها أن يمارس اليوغا؟ هل نحن أمام عالم فيه بلدان بسمنة: تُصفع فتنتفض، تُهان فتثور، تُمسّ مصالحها فتقلب الطاولة؟ وبلدان بزيت: تُقصف فيُطلب منها التهدئة، تُحتل فتُدعى إلى الحوار، تُقتل شعوبها فتُمنح دروسا في ضبط النفس؟ وإذا كان قتل المدنيين في الحادي عشر من سبتمبر إرهابا، فبأي سحر يتحول تفجير أجهزةِ "البيجر" بين آلاف المدنيين في دقيقة واحدة إلى "إنجازٍ تكنولوجي" يُهَنَّؤُونَ ويُشكرون عليه؟ ولماذا يصبح قتل المدنيين هنا "إرهابا"، وهناك "أضرارا جانبية"؟ ولماذا يكون الاعتداء على دولة عدوانا، بينما يصبح الاعتداء على دولة أخرى "ضربة استباقية"؟ ولماذا يكون قتل شخص هنا جريمة لا تُغتفر، وقتل قادة هناك "عملاً مشروعا"؟ ولماذا يكونُ الاحتلالُ "دفاعاً عن النفسِ" في قاموس، بينما تصبحُ مقاومةُ هذا الاحتلالِ "إرهابا" في قاموس آخر؟
وعلى سيرة الإرهاب ومن يُمنح هذا اللقب، تُستعاد حكاية من حرب التحرير الجزائرية. فرنسا التي جاءت حاملة لواء "نشر الحضارة"، سرعان ما اكتشف الجزائريون أن حضارتها مزودة بباقة خدمات إضافية: نهبٌ، وتعذيبٌ، وإعداماتٌ بلا تردّد. في هذا السياق تبرز قضية إعدام "العربي بن مهيدي"، التي حاولت السلطات الفرنسية تسويقها على أنها انتحار. قبيل قتله، قال له ضابط فرنسي: "أنت إرهابي، تصنع القنابل وتضعها في السلال التي تحملها النساء". رد بن مهيدي بجملة تحولت إلى دستور للمقاومين: "أعطونا طائراتكم وقنابل النابالم، وسنعطيكم سلالنا".
هذه الجملة وحدها كافية لفضح مسرحية الأقوياء: فالقوي يملك السلاح ويملك معه حق تسمية السلاح. الطائرة التي تقصف من السماء يسميها "عملية نوعية"، والقنبلة التي تفتك بالمدنيين يحولها إلى "ضرر جانبي"، والاحتلال يُقدمه باعتباره مهمة "حضارية"، والهجوم على بلد آخر يمنحه اسما أنيقا مثل "عملية استباقية". أما حين يردّ الطرف الأضعف، فتتبدل اللغة: يصبح الحجر "سلاحا خطيرا"، والمقاومة "إرهابًا"، والمقاوم "إرهابيًا". وهكذا يتحول القاموس إلى سلاحٍ جراحه أبلغ من جراح الصواريخ. ويبدو أن للإرهاب قاموسين: واحدا يُكتب في الغرب، حيث يمكن للقنابل أن تكون "ذكية"، وللقصف أن يكون "دقيقا"، ولقتل المدنيين أن يُعاد تدويره تحت لافتة "أضرار جانبية"، ويُعاد تغليف الاحتلال بأسماء جميلة لا علاقة لها بالاحتلال؛ وقاموسا آخر يُكتب في البلاد والقرى المحاصرة والمخيمات والسجون، حيث يصبح الحجر جريمة، والسلة قنبلة، والمقاومة تهمة إرهابية.
المشكلة ليست أن هناك دولًا "بسمنة" وأخرى "بزيت"، بل أن السمنة عند الأقوياء تُسمّى كرامة، والزيت عند الضعفاء يُسمّى ضبط النفس. فإذا قتل ثلاثة آلاف أميركي، اهتزّ العالم وأُعيد رسم خرائطه بحجة الثأر. أما إذا قُتل الآلاف في مكان آخر، فالمطلوب التحلي بالحكمة والصبر ومنح الدبلوماسية فرصة، واستيعاب "ضرورات الأمن". فالعالم لا يوزع العدالة بحسب حجم الجريمة، بل بحسب وزن صاحب الجريمة في ميزان القوة. وما على الضعفاء في هذا العالم، إذا أرادوا الحياة، إلا أن يبحثوا عن مصادر القوة ويعملوا على اقتنائها. فالدنيا لا تُؤخَذ إلا غلابًا! والغلاب هنا هو الجرأة على انتزاع حق العيش من عالم يفضل أن يراهم خاضعين، خانعين، ومتوسلين، كأن الحياة امتياز لا يُمنح إلا لمن يجيد الانحناء.
24 مشاهدة
25 سبتمبر, 2026
65 مشاهدة
25 سبتمبر, 2026
69 مشاهدة
25 سبتمبر, 2026