د. علي ضاهر
هذا المثل الشعبي الطريف يُضرب لمن يحاول إقحام نفسه في أمر يفوق حجمه، أو لمن يتوهم أن ما ينطبق على الجياد الأصيلة ينطبق أيضاً على الحشرات الطفيلية. فحين تُساق الخيول لتركيب الحدوة الحديدية لحماية حوافرها، يرفع البرغوث رجله بكل ثقة وكأنه ينتظر دوره، ناسياً، بفعل غيبوبة العظمة، أنه لا يملك حافراً أصلاً، بل ومقتنعاً تماماً أن الحدّاد قد جهّز له حدوة ميكروسكوبية خاصة تليق بمقامه الرفيع!
تذكرت هذا المثل وأنا أطالع بعض ما ورد في "الكتاب الأزرق" الصادر عن الحزب الكيبيكي، والذي يطرح رؤيته لتحويل مقاطعة كيبيك إلى دولة مستقلة منفصلة عن كندا. أنا لا أناقش هنا قضية الانفصال بحد ذاتها، بل أتوقف عند هذا التحول البهلواني في أفكار الحزب، الذي انتقل من نضال تاريخي للتحرر من الهيمنة الإنجليزية، بحسب أدبياته القديمة، إلى الدعوة بحماسة للانضمام إلى حلف الناتو، أحد أبرز تجليات المنظومة الأنغلو- سكسونية التي طالما قدّم نفسه في مواجهة نفوذها. يبدو أن الحزب قرر فجأة أن الاستعمار الثقافي يصبح مقبولاً ولطيفاً إذا كان يرتدي بزّة عسكرية تابعة لحلف الأطلسي!
أكثر ما لفت نظري في تلك الوثيقة أطروحات الحركة السيادية المتعلقة بإنشاء جيش مستقل، والانضمام إلى حلف الناتو، وتخصيص أكثر من 5% من ميزانية جمهورية كيبيك المرتقبة لقضايا الدفاع فور الانفصال. وكأن كيبيك تعيش اليوم في بحبوحة مالية تجعل المسؤولين يحتارون في كيفية إنفاق الفوائض، وكأن الخزائن تفيض بالأموال إلى درجة أن الإنفاق العسكري بات المشكلة الوحيدة المتبقية. فبمجرد الاستقلال، وفق هذا المنطق السحري، ستُحل أزمة الصحة، وتُرمّم الطرقات، وتُبنى المساكن، وتختفي طوابير الانتظار، وكأن إعلان الدولة الجديدة سيعمل عمل العصا السحرية. أما المشردون الذين ينامون في الشارع في برد الشتاء القارس، وأزمة السكن التي تخنق المدن، والعجز المزمن في الخدمات العامة، فكلها ستتبخر تلقائياً. وعندها فقط، بعد حل هذه التفاصيل الأرضية الصغيرة، يمكن التفرغ للمسائل الأكثر إلحاحاً: تأسيس جيش والانضمام إلى الناتو لحل مشاكل كوكب الأرض برمتّه!
فكيبيك، بحسب كراسها الأزرق، تبدو وكأنها تتصور أن عواصم الحلف الأطلسي تنتظر انضمامها بفارغ الصبر. فتلك الدول التي تمتلك ترسانات نووية، وحاملات طائرات، وقواعد عسكرية موزعة على القارات، تبدو في المخيلة السيادية وكأنها تعاني نقصاً استراتيجياً مزمناً لن يكتمل علاجه إلا بوصول المدد الكيبيكي المدجج باللغة الفرنسية السليمة. ومما ورد في الكتاب الأزرق، يبدو أن المسألة في نظر بعض السياديين أبسط من البساطة نفسها. فما على المرء إلا أن يستبدل كلمة "مقاطعة" بكلمة "دولة" على باب الوزارة، ويشتري بضعة أزياء عسكرية، ثم ينتظر دعوة العشاء الرسمية من الحلف الأطلسي، عندها يدخل جنرالات دولة كيبيك المستقلة، وصدرهم يضيق من كثرة النياشين والميداليات التي صُكت على عجل في ورشات محلية، ليعرضوا على طاولة الكبار عقيدتهم العسكرية الجديدة، التي تضم فرقاً قتالية لم يشهد لها التاريخ مثيلاً: لواء مدرع لحماية أسرار طبق البوتين من التقليد الأجنبي، وكتيبة التدخل السريع للدفاع عن مزارع شراب القيقب، ووحدة النخبة المدربة على الانتشار الفوري في مهرجانات الشتاء عند أول إشاعة عن نقص في مخزون الجبن الطازج. وربما فرقة احتياط خاصة لحماية اللغة الفرنسية من الغواصات الروسية في أعماق نهر سان لوران، بالإضافة إلى سلاح إشارة سري وظيفته التشويش على أي طائرة حربية تتحدث الإنجليزية بدون لكنة كيبيكية قحة!
باختصار، يعيدنا الكتاب الأزرق إلى المثل الشعبي نفسه: البرغوث الذي رفع رجله حين رأى الخيول تُحدى. فقبل الحديث عن جيش مستقل ومقعد في الناتو، هناك ملفات شائكة تنتظر أي دولة كيبيكية محتملة: تقاسم الديون مع أوتاوا، وفك التشابكات المالية والضريبية، وإعادة بناء المؤسسات، وإدارة التحديات الاقتصادية والاجتماعية التي سترافق أي مشروع انفصال. لذلك يبدو الحديث عن الجيوش والتحالفات العسكرية العالمية شبيهاً بمن ينتقل من إدارة الحفر في طرقات الأحياء إلى إدارة التوازنات النووية الدولية في خطوة واحدة. أما الانضمام إلى الناتو، فيبدو في مخيلة أصحاب الكتاب الأزرق الفصل الأكثر إثارة في الرواية. فبينما تتجادل الدول الأعضاء حول الردع النووي والأمن الأوروبي وموازين القوى الدولية، يدخل الوفد الكيبيكي حاملاً طبق بوتين ساخناً ليقول بثقة المنتصرين: "لقد جئناكم بمساهمة استراتيجية لا تُقدّر بثمن، وإذا لم تعجبكم شروطنا، فسنقاطعكم بالفرنسية وذنبكم على جنبكم"!
هنا يطل البرغوث من جديد، رافعاً رجله بكل خيلاء، ومطالباً بمساهمته في مجهود التسلح الناتوي. أما الأسئلة المملة من قبيل: من سيدفع الكلفة؟ وما حجم هذا الجيش؟ وما مهمته الفعلية؟ وكيف سيتم تمويله؟ فهذه تفاصيل لا ينبغي أن تفسد جمال الحلم الذي المفروض ان يدغدغ الأحلام ويشد من يريد تكوين دولة مستقلة. وكما جرت العادة، تُرحّل كلها إلى ذلك الموظف الحكومي المجهول الذي اسمه "المستقبل"، والذي يتولى منذ عقود الإجابة عن كل الأسئلة التي يعجز الساسة عن الإجابة عنها اليوم، بينما يجلس الساسة في المقهى يرتشفون القهوة بانتظار وصول الحدوة المناسبة لمقاس البرغوث!
هذا المثل الشعبي الطريف يُضرب لمن يحاول إقحام نفسه في أمر يفوق حجمه، أو لمن يتوهم أن ما ينطبق على الجياد الأصيلة ينطبق أيضاً على الحشرات الطفيلية. فحين تُساق الخيول لتركيب الحدوة الحديدية لحماية حوافرها، يرفع البرغوث رجله بكل ثقة وكأنه ينتظر دوره، ناسياً، بفعل غيبوبة العظمة، أنه لا يملك حافراً أصلاً، بل ومقتنعاً تماماً أن الحدّاد قد جهّز له حدوة ميكروسكوبية خاصة تليق بمقامه الرفيع!
تذكرت هذا المثل وأنا أطالع بعض ما ورد في "الكتاب الأزرق" الصادر عن الحزب الكيبيكي، والذي يطرح رؤيته لتحويل مقاطعة كيبيك إلى دولة مستقلة منفصلة عن كندا. أنا لا أناقش هنا قضية الانفصال بحد ذاتها، بل أتوقف عند هذا التحول البهلواني في أفكار الحزب، الذي انتقل من نضال تاريخي للتحرر من الهيمنة الإنجليزية، بحسب أدبياته القديمة، إلى الدعوة بحماسة للانضمام إلى حلف الناتو، أحد أبرز تجليات المنظومة الأنغلو- سكسونية التي طالما قدّم نفسه في مواجهة نفوذها. يبدو أن الحزب قرر فجأة أن الاستعمار الثقافي يصبح مقبولاً ولطيفاً إذا كان يرتدي بزّة عسكرية تابعة لحلف الأطلسي!
أكثر ما لفت نظري في تلك الوثيقة أطروحات الحركة السيادية المتعلقة بإنشاء جيش مستقل، والانضمام إلى حلف الناتو، وتخصيص أكثر من 5% من ميزانية جمهورية كيبيك المرتقبة لقضايا الدفاع فور الانفصال. وكأن كيبيك تعيش اليوم في بحبوحة مالية تجعل المسؤولين يحتارون في كيفية إنفاق الفوائض، وكأن الخزائن تفيض بالأموال إلى درجة أن الإنفاق العسكري بات المشكلة الوحيدة المتبقية. فبمجرد الاستقلال، وفق هذا المنطق السحري، ستُحل أزمة الصحة، وتُرمّم الطرقات، وتُبنى المساكن، وتختفي طوابير الانتظار، وكأن إعلان الدولة الجديدة سيعمل عمل العصا السحرية. أما المشردون الذين ينامون في الشارع في برد الشتاء القارس، وأزمة السكن التي تخنق المدن، والعجز المزمن في الخدمات العامة، فكلها ستتبخر تلقائياً. وعندها فقط، بعد حل هذه التفاصيل الأرضية الصغيرة، يمكن التفرغ للمسائل الأكثر إلحاحاً: تأسيس جيش والانضمام إلى الناتو لحل مشاكل كوكب الأرض برمتّه!
فكيبيك، بحسب كراسها الأزرق، تبدو وكأنها تتصور أن عواصم الحلف الأطلسي تنتظر انضمامها بفارغ الصبر. فتلك الدول التي تمتلك ترسانات نووية، وحاملات طائرات، وقواعد عسكرية موزعة على القارات، تبدو في المخيلة السيادية وكأنها تعاني نقصاً استراتيجياً مزمناً لن يكتمل علاجه إلا بوصول المدد الكيبيكي المدجج باللغة الفرنسية السليمة. ومما ورد في الكتاب الأزرق، يبدو أن المسألة في نظر بعض السياديين أبسط من البساطة نفسها. فما على المرء إلا أن يستبدل كلمة "مقاطعة" بكلمة "دولة" على باب الوزارة، ويشتري بضعة أزياء عسكرية، ثم ينتظر دعوة العشاء الرسمية من الحلف الأطلسي، عندها يدخل جنرالات دولة كيبيك المستقلة، وصدرهم يضيق من كثرة النياشين والميداليات التي صُكت على عجل في ورشات محلية، ليعرضوا على طاولة الكبار عقيدتهم العسكرية الجديدة، التي تضم فرقاً قتالية لم يشهد لها التاريخ مثيلاً: لواء مدرع لحماية أسرار طبق البوتين من التقليد الأجنبي، وكتيبة التدخل السريع للدفاع عن مزارع شراب القيقب، ووحدة النخبة المدربة على الانتشار الفوري في مهرجانات الشتاء عند أول إشاعة عن نقص في مخزون الجبن الطازج. وربما فرقة احتياط خاصة لحماية اللغة الفرنسية من الغواصات الروسية في أعماق نهر سان لوران، بالإضافة إلى سلاح إشارة سري وظيفته التشويش على أي طائرة حربية تتحدث الإنجليزية بدون لكنة كيبيكية قحة!
باختصار، يعيدنا الكتاب الأزرق إلى المثل الشعبي نفسه: البرغوث الذي رفع رجله حين رأى الخيول تُحدى. فقبل الحديث عن جيش مستقل ومقعد في الناتو، هناك ملفات شائكة تنتظر أي دولة كيبيكية محتملة: تقاسم الديون مع أوتاوا، وفك التشابكات المالية والضريبية، وإعادة بناء المؤسسات، وإدارة التحديات الاقتصادية والاجتماعية التي سترافق أي مشروع انفصال. لذلك يبدو الحديث عن الجيوش والتحالفات العسكرية العالمية شبيهاً بمن ينتقل من إدارة الحفر في طرقات الأحياء إلى إدارة التوازنات النووية الدولية في خطوة واحدة. أما الانضمام إلى الناتو، فيبدو في مخيلة أصحاب الكتاب الأزرق الفصل الأكثر إثارة في الرواية. فبينما تتجادل الدول الأعضاء حول الردع النووي والأمن الأوروبي وموازين القوى الدولية، يدخل الوفد الكيبيكي حاملاً طبق بوتين ساخناً ليقول بثقة المنتصرين: "لقد جئناكم بمساهمة استراتيجية لا تُقدّر بثمن، وإذا لم تعجبكم شروطنا، فسنقاطعكم بالفرنسية وذنبكم على جنبكم"!
هنا يطل البرغوث من جديد، رافعاً رجله بكل خيلاء، ومطالباً بمساهمته في مجهود التسلح الناتوي. أما الأسئلة المملة من قبيل: من سيدفع الكلفة؟ وما حجم هذا الجيش؟ وما مهمته الفعلية؟ وكيف سيتم تمويله؟ فهذه تفاصيل لا ينبغي أن تفسد جمال الحلم الذي المفروض ان يدغدغ الأحلام ويشد من يريد تكوين دولة مستقلة. وكما جرت العادة، تُرحّل كلها إلى ذلك الموظف الحكومي المجهول الذي اسمه "المستقبل"، والذي يتولى منذ عقود الإجابة عن كل الأسئلة التي يعجز الساسة عن الإجابة عنها اليوم، بينما يجلس الساسة في المقهى يرتشفون القهوة بانتظار وصول الحدوة المناسبة لمقاس البرغوث!
82 مشاهدة
24 يونيو, 2026
99 مشاهدة
20 يونيو, 2026
119 مشاهدة
20 يونيو, 2026