د. إسماعيل الحاج علي ـ غاتينو
العزيزة سارة أخت السعيد جعفر:
وعليكم السلام والرحمة،
أعرف أن الفقد ليس فكرة تُفهم، بل حالة تُعاش؛ وأن الموت حين يطرق بابنا لا يأتي كمعادلة تُحلّ، بل كفراغ يتّسع في القلب حتى نظن أن الأشياء كلّها قد تغيّرت مواضعها. ومع ذلك، ثمّة ما يمكن قوله دون أن نكذّب هذا الألم، ودون أن نهرب منه إلى عبارات أكبر من قدرتها على الصدق.
الموت ليس نقيض الحياة كما نتصوّر في لحظة الصدمة، بل تحوّل في طورها؛ انتقال من حضورٍ مكشوفٍ في هذا العالم إلى حضورٍ آخر مستورٍ عنا، محفوظٍ عند الله. لذلك قال تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ (آل عمران: 169)، فجعل الحياة مستمرة، ولكن في أفقٍ آخر، «عند ربهم»، حيث تتبدّل المقاييس التي نعرفها، ويغيب عنا إدراك الكيفية.
جعفر لم يُختصر في لحظة الفقد، ولا انتهى عند حدود الجسد الذي ضاق به. ما حدث أقرب إلى اكتمال طورٍ من حياته، لا إلى انطفائها؛ كأن حياته في هذا العالم بلغت حدّها الممكن، فانتقلت إلى ما هو أوسع منها. ليست المسألة طيًّا حرفيًا للزمان والمكان كما قد توحي اللغة، بل تحرّرًا من ضيق هذا الأفق المحدود إلى سعةٍ لا نملك أدوات قياسها. ما نسمّيه نحن نهاية، هو عند الله بداية بنحوٍ آخر.
وفي هذا المعنى، تصبح الشهادة ليست مجرد حدثٍ يقع في الزمن، بل كثافةً في المعنى؛ لحظةً يلتقي فيها الصبر بالتكليف، فيرتفع الإنسان من مستوى العيش لنفسه إلى مستوى الشهادة على قيمٍ يتجاوز بها ذاته. لذلك ضرب الله مثلاً بامرأة فرعون ومريم ابنة عمران، لا لأن التجربة تتكرر بحذافيرها، بل لأن جوهرها واحد: صدقٌ في مواجهة الظلم، وثباتٌ حين يضيق الأفق، وتسليمٌ يفتح باب القرب. قال تعالى:
﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ… وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ…﴾ (التحريم: 11–12).
أما نحن، فنحن الذين بقينا في هذا الجانب من الطريق، نحمل العبء الأصعب: أن نفهم، وأن نواصل، وأن لا نسمح للألم أن يتحول إلى انكسارٍ في المعنى. لأن ما يبقى من الإنسان بعد رحيله ليس فعله المباشر، بل الأثر الذي تركه، الطريق الذي أضاءه، والقيم التي شهد لها بوجوده. وفي هذا الامتداد، يستمر جعفر حضورًا في الضمير، وفي كل موقف يُستعاد فيه معنى العدالة التي عاش لها.
قد لا نراه، وهذا من طبيعة الحجاب بين عالمين، لكن المسألة الأعمق ليست في الرؤية، بل في القابلية: أن يبقى القلب حيًا بما يكفي ليدرك أن الفقد ليس فراغًا مطلقًا، بل انتقالٌ يفرض علينا نحن أن نرتقي في الفهم، وأن نكون أوفى لما مثّله الراحلون.
هنا، لا تكون التهنئة إنكارًا للحزن، بل اعترافًا بأن للحياة أفقًا أوسع من هذا الانقطاع الظاهر؛ وأن من عاش صادقًا، ومضى في لحظة امتحانٍ كبرى، قد فاز بالقرب الذي لا يُقاس بمعاييرنا.
هنيئًا له هذا المقام…
وسلامٌ عليكِ، وعلى قلبكِ وهو يتعلّم كيف يحمل الغياب دون أن ينكسر.
110 مشاهدة
17 أبريل, 2026
126 مشاهدة
17 أبريل, 2026
77 مشاهدة
16 أبريل, 2026