Sadaonline

أوتاوا تدين سريعاً في أوكرانيا.. وصمتها عن غارات النبطية يثير سؤال «المعايير المزدوجة»

الصمت يصبح أكثر لفتاً للنظر عند مقارنته بسرعة وتواتر الرسائل الكندية المتعلقة بأوكرانيا

متابعة صدى أونلاين

تثير طريقة تعاطي السياسة الخارجية الكندية مع التطورات العسكرية في أوكرانيا ولبنان سؤالاً مشروعاً حول اتساق المعايير التي تعتمدها أوتاوا في إدانة الاعتداءات التي تطاول المدنيين ومؤسسات الدولة والمنشآت الصحية.

ففي 5 سبتمبر، سارعت الخارجية الكندية عبر حسابها الرسمي إلى التعبير عن «قلقها العميق» إزاء تقارير عن ضربة روسية طاولت مبنى حكومياً في قلب كييف، على مسافة قريبة من كاتدرائية القديسة صوفيا المدرجة على قائمة التراث العالمي لليونسكو. وقبلها بيومين، عادت الخارجية إلى ملف الأطفال الأوكرانيين، مطالبة بوقف ترحيلهم وإعادة تثقيفهم وعسكرتهم وتبنيهم القسري في روسيا، في إطار حملة #BringKidsBack. وتؤكد نتائج البحث المنشورة حديثاً استمرار الخارجية الكندية في إصدار مواقف متتابعة تدين الضربات الروسية التي تقتل مدنيين وتطاول المناطق السكنية والبنية التحتية في كييف.

لكن بعد أقل من 24 ساعة، كان مشهد آخر يتشكل على بعد آلاف الكيلومترات من كييف، في جنوب لبنان.

سبعة شهداء ومستشفى ومبنى حكومي

شهدت النبطية ومحيطها، الأحد 6 سبتمبر، سلسلة غارات إسرائيلية واسعة أسفرت، وفق وزارة الصحة اللبنانية، عن استشهاد سبعة أشخاص وإصابة نحو 20 آخرين. وأكدت رويترز مقتل سبعة، بينهم امرأتان، فيما شملت الضربات النبطية الفوقا وعربصاليم ومناطق أخرى.

وفي عربصاليم، قُتلت امرأتان وأصيب ستة أشخاص بينهم طفلتان. وفي النبطية الفوقا سقط شهيدان، بينما استُشهد ثلاثة آخرون لاحقاً في ضربة بمسيّرة استهدفت موقفاً للسيارات في النبطية. كما سجلت إصابات في النبطية وكفررمان.

ولم تقتصر الأضرار على المواقع التي ادعت إسرائيل إنها مرتبطة بحزب الله.

فقد أصيب مبنى تابع لوزارة المالية اللبنانية في النبطية بأضرار، فيما دُمّر مستشفى غندور في النبطية الفوقا. وقالت وزارة الصحة اللبنانية إن استهداف المنشأة الصحية يشكل انتهاكاً جسيماً للقانون الإنساني الدولي. وكان المستشفى متوقفاً عن العمل قبل الضربة بسبب الوضع الأمني، بعدما أدى سابقاً دوراً في تقديم الخدمات الصحية وإيواء نازحين. وأكدت تقارير دولية مستقلة أيضاً تدمير المستشفى والأضرار التي أصابت مبنى وزارة المالية.

الرئيس اللبناني جوزف عون وصف ما جرى بأنه «تصعيد خطير» يتجاوز الأهداف العسكرية المعلنة ليطاول مؤسسات الدولة والمرافق الصحية، وطالب الولايات المتحدة والمجتمع الدولي بالتدخل لوقف الاعتداءات الإسرائيلية.

 

أين أوتاوا من النبطية؟

هنا تبرز المفارقة.

حتى وقت إعداد هذا التقرير، لم يعثر «صدى أونلاين» في البيانات الرسمية المنشورة حديثاً للخارجية الكندية على موقف كندي مخصص يدين الغارات الإسرائيلية في النبطية يوم 6 سبتمبر، أو مقتل المدنيين وتدمير المستشفى والأضرار التي لحقت بمبنى وزارة المالية.

وهذا الصمت يصبح أكثر لفتاً للنظر عند مقارنته بسرعة وتواتر الرسائل الكندية المتعلقة بأوكرانيا.

بل إن الخارجية الكندية أصدرت في 6 سبتمبر نفسه بياناً رسمياً أدانت فيه ما وصفته بـ«أنشطة إيران المزعزعة للاستقرار في الشرق الأوسط»، وأكدت مواصلة الضغط والعقوبات عليها. أي أن غياب موقف معلن بشأن النبطية لا يمكن تفسيره ببساطة بغياب النشاط الدبلوماسي الكندي تجاه تطورات المنطقة في ذلك اليوم.

هل هي ازدواجية معايير؟

وهذا يجعل السؤال أكثر تحديداً وليس أقل أهمية: ما المعيار الذي يجعل ضربة على مبنى حكومي في كييف تستدعي موقفاً كندياً سريعاً ومحدداً، بينما لا يظهر موقف مماثل حتى الآن عندما تتضرر مؤسسة حكومية لبنانية ويُدمّر مستشفى ويسقط مدنيون في غارات إسرائيلية؟

لبنان ليس غائباً عن الاهتمام الكندي

ولا يمكن القول إن لبنان خارج دائرة اهتمام أوتاوا. ففي أغسطس فقط، زار وزير الدولة للتنمية الدولية رانديب ساراي لبنان والتقى الرئيس عون ورئيس الحكومة نواف سلام ورئيس مجلس النواب نبيه بري، وأعلنت كندا مساعدات جديدة، مشيرة إلى أنها قدمت خلال 2026 نحو 40.3 مليون دولار من المساعدات الإنسانية للبنان.

كما سبق للخارجية الكندية أن أقرت بأن اللبنانيين يتحملون وطأة النزاع وأن الهجمات أضرت بالعاملين الصحيين وسيارات الإسعاف والمرافق الطبية وأدت إلى إغلاق مستشفيات ومراكز رعاية.

وهنا يصبح السؤال الذي قد يطرحه كنديون من أصول لبنانية وعربية مشروعاً: إذا كانت حماية المدنيين والمنشآت الصحية وسيادة الدول مبادئ في السياسة الخارجية الكندية، فهل يجب أن تختلف سرعة الدفاع عنها باختلاف هوية الدولة التي تنفذ الهجوم؟

النقد هنا لا يتطلب تخفيف موقف كندا من الحرب الروسية على أوكرانيا أو الاعتراض على إدانة استهداف كييف؛ بل يطالب بتطبيق المعيار نفسه. فإذا كان استهداف مؤسسة حكومية أو بنية مدنية في أوكرانيا يستحق موقفاً واضحاً وسريعاً، فإن سقوط مدنيين وتدمير منشأة صحية والإضرار بمؤسسة حكومية في لبنان يستحق، من حيث المبدأ، الوضوح نفسه.

وهذا تحديداً هو الاختبار الأصعب لأي سياسة خارجية تقول إن مرجعيتها هي القانون الدولي وحماية المدنيين: ألا تتغير قوة اللغة وسرعة الإدانة تبعاً لهوية المعتدي أو موقع الضحية.

* الصورة من موقع الاخبار من آثار العدوان الاسرائيلي أمس (علي حشيشو)