متابعة صدى اونلاين
كشف تحقيق لصحيفة «ذا إنفستيغيتيف جورناليزم فاونديشن» الكندية (IJF) أن جمعية «مزراحي» الكندية، المسجّلة بصفة مؤسسة خيرية، حوّلت أكثر من 1.6 مليون دولار كندي بين عامَي 2022 و2024 إلى مشاريع في مستوطنات إسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة. ومن أبرز الجهات المستفيدة مدرسة دينية للمستوطنين في الخليل، تلقت نحو 798 ألف دولار، ووافقت السلطات الإسرائيلية هذا العام على بناء سكن لطلابها في قلب المدينة التاريخي.
واستند التحقيق، الذي أعدّه الصحافي بريت ماكاي ونُشر في 6 تشرين الثاني/نوفمبر 2026، إلى إقرارات الجمعية الضريبية وبيانات وكالة الإيرادات الكندية، إلى جانب معلومات منشورة على مواقع الجمعية والجهات المستفيدة.
نحو 798 ألف دولار لمدرسة دينية في الخليل
وأظهرت الإقرارات أن جمعية «مزراحي» أفادت بتحويل 145,773 دولاراً إلى مدرسة «شافي حفرون» عام 2022، و127,962 دولاراً عبر خمس دفعات عام 2023، ثم 524,136 دولاراً عام 2024. وتدرج الجمعية المدرسة ضمن المشاريع التي يمكن للمتبرعين دعمها، فيما يوجّه موقع المدرسة المتبرعين في كندا إلى إرسال مساهماتهم عبر «مزراحي» وتخصيصها للمدرسة.
وتعمل المدرسة منذ عام 1982 في منطقة تقع اليوم ضمن مستوطنة «بيت رومانو» في الخليل. وبحسب وصف المشروع المنشور على موقع الجمعية، تضمّ المدرسة نحو 300 طالب، وتخضع لأعمال تجديد وتوسعة لتلبية احتياجاتها المتزايدة.
وفي حزيران/يونيو 2026، أعلن وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش نقل صلاحيات التخطيط والبناء في أجزاء من الخليل من البلدية الفلسطينية إلى السلطات الإسرائيلية. وفي اليوم التالي، وافقت الإدارة المدنية الإسرائيلية على بناء سكن لطلاب المدرسة بمساحة ألف متر مربع. وقدّم سموتريتش الموافقة، إلى جانب إقرار بناء مئات الوحدات السكنية في مستوطنات الضفة الغربية، باعتبارها خطوة لتعزيز السيطرة الإسرائيلية ومنع قيام دولة فلسطينية.
وتوثّق الإقرارات تحويل الأموال إلى المدرسة قبل صدور الموافقة على السكن الطلابي. أما تخصيص تلك الأموال لهذا المبنى تحديداً، فلم يثبته التحقيق.
تحويلات إلى برامج إعداد للخدمة العسكرية
ورصد التحقيق أيضاً تحويل أكثر من 261 ألف دولار، بين عامَي 2022 و2024، إلى ستة برامج تُعرف باسم «ميخينوت»، وهي أكاديميات تُعدّ الشباب للخدمة في الجيش الإسرائيلي. ومن بينها أكاديمية «يديديا» في مستوطنة غوش عتصيون، التي تقول على موقعها إنها تُعدّ طلابها للخدمة العسكرية وتحظى باعتراف وتمويل من وزارتَي التعليم والدفاع الإسرائيليتين.
كما حوّلت الجمعية أكثر من 16 ألف دولار إلى حركة «ريغافيم» قبل أن تفرض كندا عليها عقوبات في تموز/يوليو 2026، على خلفية مساهمتها في اعتداءات على مدنيين فلسطينيين في الضفة الغربية، وفق التحقيق.
وكالة الإيرادات تفحص كل حالة على حدة
وتعتبر كندا المستوطنات الإسرائيلية في الأراضي المحتلة مخالفة للقانون الدولي. وسبق لوكالة الإيرادات الكندية أن اعتبرت أن دعم البنية التحتية للمستوطنات بما يعزّز استمرارها يتعارض مع السياسة العامة الكندية. وأورد التحقيق سوابق سُحب فيها التسجيل الخيري من جمعيات أخرى بعد عمليات تدقيق تناولت أنشطة في الأراضي المحتلة أو تمويلاً لبرامج إعداد للخدمة العسكرية.
وقال إتيان بيرام، المتحدث باسم وكالة الإيرادات، إن تحديد ما إذا كانت أنشطة جمعية أو تحويلاتها تخالف شروط التسجيل يتطلّب فحص وقائع كل حالة على حدة، عادةً في إطار تدقيق. وأوضح أن الوكالة قد تتيح للجمعية تصحيح المخالفة، فيما تُستخدم العقوبات أو إجراءات سحب التسجيل في الحالات الأشد. وأضاف أن الوكالة لم تتخذ إجراءً إنفاذياً بحق «مزراحي». ولم تردّ الجمعية على أسئلة الصحيفة بشأن تمويل المشاريع في المستوطنات.
ودعا الناشط الحقوقي الفلسطيني عيسى عمرو، المقيم في الخليل، السلطات الكندية إلى التحقيق في هذه التحويلات ووقف التمويل الذي قال إنه يساهم في توسيع المستوطنات. ورأت سارة سنبر، الباحثة في «هيومن رايتس ووتش»، أن تمويل المدارس وغيرها من المرافق داخل المستوطنات يوفّر دعماً مادياً يساعد على استمرارها، مشيرةً إلى الرأي الاستشاري الصادر عن محكمة العدل الدولية عام 2024 بشأن الاحتلال الإسرائيلي.
فجوة تستحق المساءلة
تكشف التحويلات التي وثّقها تحقيق مؤسسة الصحافة الاستقصائية الكندية عن فجوة تستحق المساءلة. فوكالة الإيرادات الكندية سبق أن اعتبرت أن دعم البنية التحتية للمستوطنات، بما يعزّز بقاءها، يتعارض مع السياسة العامة الكندية. ومع ذلك، تقول الوكالة إنها لم تتخذ إجراءً إنفاذياً بحق جمعية «مزراحي»، ولم توضح ما إذا كانت قد فتحت تدقيقاً في التحويلات التي رصدها التحقيق.
ومن هنا فإن تمويل مدرسة أو مرفق داخل مستوطنة يطرح سؤالاً يتجاوز طبيعة الخدمة التي يقدّمها. فهذه المرافق تجعل المستوطنات أقدر على البقاء والتوسّع، فيما يتحمّل الفلسطينيون تبعات هذا التوسّع على أرضهم وحياتهم اليومية. وفي الخليل تحديداً، تزداد أهمية السؤال بعدما نقلت السلطات الإسرائيلية صلاحيات التخطيط والبناء في أجزاء من المدينة من البلدية الفلسطينية إلى جهات إسرائيلية.
ويبقى من الضروري التمييز بين ما وثّقه التحقيق وما يحتاج إلى تدقيق. فقد رصد تحويل نحو 798 ألف دولار إلى المدرسة، ولم يثبت أن الأموال خُصّصت لبناء السكن الطلابي الذي وافقت عليه السلطات الإسرائيلية لاحقاً. وهنا تقع مسؤولية الوكالة في فحص وجهة الأموال وكيفية استخدامها، وتوضيح المعايير التي تطبّقها على الجمعيات التي تموّل مشاريع داخل المستوطنات. فإذا كانت أوتاوا تعارض الاستيطان، فمن حق الجمهور أن يعرف كيف ينعكس هذا الموقف في رقابتها على الأموال المحوّلة عبر جمعيات خيرية مسجّلة في كندا.
37 مشاهدة
07 نوفمبر, 2026
17 مشاهدة
07 نوفمبر, 2026
57 مشاهدة
06 نوفمبر, 2026