صدى اونلاين - اوتاوا
باشرت المحكمة العليا في كندا، يوم الاثنين، جلسات استماع تاريخية للنظر في الطعون المقدّمة ضد قانون العلمانية في كيبيك، المعروف بـ"قانون 21"، في خطوة قد تعيد رسم ملامح الحريات الدينية وحقوق الأقليات في البلاد. وتأتي هذه القضية بعد نحو سبع سنوات من إقرار القانون، وسط جدل واسع حول استخدام "بند الاستثناء" لتجاوز بعض أحكام الميثاق الكندي للحقوق والحريات.
ويحظر القانون على عدد من موظفي القطاع العام، خصوصًا في مواقع السلطة مثل المعلمين والقضاة وضباط الشرطة، ارتداء الرموز الدينية أثناء العمل، ما أثار انتقادات واسعة من منظمات حقوقية وجاليات دينية اعتبرت أنه يميّز ضد الأقليات.
وعقد رئيس المجلس الوطني للمسلمين الكنديين ستيفن براون مؤتمرًا صحفيًا حذّر فيه من التداعيات الخطيرة لقانون 21 على مستقبل الحقوق والحريات في كندا.
جلسات تاريخية واختبار دستوري
من المتوقع أن تستمع المحكمة إلى نحو 60 مداخلة قانونية على مدار أربعة أيام، في واحدة من أطول القضايا في تاريخها، على غرار قضية استفتاء انفصال كيبيك عام 1998. وتشمل النقاشات قضايا معقّدة تتعلق بحرية الدين، والمساواة، وحقوق الأقليات اللغوية، وحدود صلاحيات الحكومات في استخدام "الشرط غير القابل للتطبيق" لتعطيل بعض الحقوق الدستورية.
وتدافع حكومة كيبيك عن القانون باعتباره تجسيدًا لمبدأ فصل الدين عن الدولة وضمانًا لحياد المؤسسات العامة، في حين ترى الجهات المعارضة أنه يقوّض الحقوق الأساسية ويؤسس لتمييز ممنهج.
احتجاجات أمام المحكمة… “المعركة ليست كيبيكية فقط”
تزامن انطلاق الجلسات مع تجمّع عشرات المتظاهرين أمام مبنى المحكمة العليا في أوتاوا، حيث ارتفعت الأصوات الرافضة للقانون، معتبرة أنه يجبر الأفراد على الاختيار بين هويتهم الدينية ومسارهم المهني.

وفي كلمة مؤثرة، شدد رئيس المجلس الكندي للأئمة الشيخ اسكندر هاشمي على أن القضية تتجاوز حدود كيبيك، قائلاً إن "قانون 21 ليس مجرد قضية إقليمية، بل هو اختبار لهوية كندا كدولة تدّعي الدفاع عن الحرية الدينية". وأضاف أن القانون يفرض على الأفراد "الاختيار بين إيمانهم ولقمة عيشهم"، موجّهًا رسالة واضحة مفادها أن هذا الواقع "لا يعكس كندا التي يؤمن بها المواطنون".
وأكد هاشمي أن استهداف أي فئة دينية يهدد جميع الفئات، مشددًا على أن المعركة تتعلق بـ"روح البلاد" وليس مجرد قانون، داعيًا إلى كندا تتيح لكل فرد ممارسة دينه بحرية دون خوف أو إقصاء.
قصص شخصية تكشف أثر القانون

خلال التجمّع، عُرضت شهادات حيّة لأشخاص تأثروا مباشرة بالقانون، أبرزها قصة نافين والي، التي أوضحت كيف فقدت فرصتها في العمل بالتعليم، بل وحتى في التطوع بمدرسة أطفالها، بسبب ارتدائها الحجاب.
وقالت والي إن القانون لم يسلبها فقط فرصة العمل، بل "أجبرها على تغيير هويتها"، معتبرة أن ما يحدث هو تهميش ممنهج للنساء المسلمات، مضيفة: "هذا ليس مجرد لباس، بل قناعة وحرية شخصية لا يحق لأحد انتزاعها".

من جهتها، تحدثت المعلمة فاطمة أنواري عن فقدانها وظيفتها بعد أسابيع قليلة من بدء التدريس، مشيرة إلى أن طلابها لم يفهموا سبب إبعادها. وأكدت أن القضية تتعلق "بالحق في الاختيار"، متسائلة عن مستقبل الحريات في كندا إذا استمر هذا النهج.
انتقادات من القطاع الطبي والقانوني

بدورها، اعتبرت الدكتورة منال بدي أن القانون يضرب مبدأ الكفاءة المهنية، مشيرة إلى أن الحجاب لم يؤثر يومًا على أدائها الطبي، بل إن القانون "يستهدف النساء ويحدّ من مشاركتهن في الحياة العامة".

أما المحامية سارة دانيال، فذهبت أبعد من ذلك، ووصفت القانون بأنه "شكل من أشكال الفصل الديني"، مشيرة إلى أنه يمنعها من العمل في القطاع العام رغم مؤهلاتها، فقط بسبب مظهرها الديني. وحذّرت من أن استخدام بند الاستثناء بهذه الطريقة قد يفتح الباب أمام تآكل تدريجي للحقوق الأساسية في كندا.
تضامن عابر للأديان

وشهدت الوقفة حضور ممثلين عن مختلف الديانات، من مسلمين وسيخ ويهود ومسيحيين، في مشهد يعكس وحدة الموقف الرافض للقانون. وأكد أنغاد سينغ، ممثل منظمة السيخ العالمية في كيبيك، أن القانون "لا يستهدف فئة بعينها، بل يمس جميع الكنديين"، محذرًا من أن القبول به قد يخلق "مواطنة من الدرجة الثانية".
وأضاف أن أي قانون يجبر الأفراد على الاختيار بين مهنتهم وهويتهم "لا مكان له في دولة تدّعي حماية الحقوق والحريات".
رسالة ختامية: “لن نصمت”
وفي ختام التجمّع، عاد الشيخ اسكندر هاشمي ليؤكد أن هذه الوقفة ليست النهاية، بل جزء من حركة أوسع للدفاع عن الحقوق، قائلاً: "لن نقبل بكندا يُقصى فيها الناس بسبب إيمانهم… نحن هنا، ولن نختفي".
وأضاف أن الرسالة واضحة: الدفاع عن الحرية الدينية والكرامة الإنسانية سيستمر، وأن الأجيال القادمة "يجب ألا تضطر لخوض نفس المعركة".
فيما تنظر المحكمة العليا في كندا في القانون … تجمع حاشد أمام المحكمة العليا يرفع الصوت ضد قانون 21 ويختبر هوية كندا : “لن نختفي ولن نصمت”

وفي موازاة التجمع الحاشد أمام المحكمة العليا في أوتاوا، عقد رئيس المجلس الوطني للمسلمين الكنديين ستيفن براون مؤتمرًا صحفيًا حذّر فيه من التداعيات الخطيرة لقانون 21 على مستقبل الحقوق والحريات في كندا.
وأكد براون أن القضية المعروضة أمام المحكمة تُعد من “أكثر القضايا أهمية في جيلنا”، مشيرًا إلى أن الحكم المرتقب سيؤثر بشكل مباشر على حقوق جميع الكنديين، وليس فقط الأقليات الدينية. وقال إن القرار سيحدد ما إذا كانت كندا ستستمر كدولة ديمقراطية ليبرالية تحترم الحريات، أو تتجه نحو تقييدها.
وأوضح أن قانون 21 جاء نتيجة تصاعد الجدل حول مكانة الأقليات الدينية في كيبيك، لكنه تحوّل إلى أداة سياسية استُخدمت لتقسيم المجتمع، من خلال استهداف المواطنين الذين يظهرون هويتهم الدينية، ومنعهم من تولي وظائف معينة في القطاع العام.
وشدد براون على أن استخدام “بند الاستثناء” في هذا السياق خلق سابقة خطيرة، سمحت لحكومات أخرى في كندا بتبني النهج نفسه، ما أدى إلى تراجع حماية الحقوق الدستورية. وأشار إلى أن هذا التوجه يبعث برسالة مقلقة مفادها أن الحقوق لم تعد مضمونة، بل أصبحت رهينة للقرارات السياسية.
وأضاف أن استمرار هذا المسار قد يؤدي إلى تغيير جذري في العلاقة بين المواطن والدولة، حيث تتحول الحقوق من ضمانات دستورية إلى “امتيازات” تمنحها الحكومات أو تسحبها.
قرار مرتقب بمستقبل مفتوح
ومع استمرار جلسات الاستماع، تترقب الأوساط القانونية والسياسية في كندا قرار المحكمة العليا، الذي يُتوقع صدوره خلال الأشهر المقبلة، وسط توقعات بأن يكون له تأثير عميق ليس فقط على كيبيك، بل على كامل النظام الدستوري في البلاد.
فالقضية لم تعد مجرد نقاش حول قانون محلي، بل تحوّلت إلى اختبار حقيقي لمدى التزام كندا بقيمها الأساسية في الحرية والمساواة والتعددية.
36 مشاهدة
29 مارس, 2026
199 مشاهدة
29 مارس, 2026
155 مشاهدة
28 مارس, 2026