د. وفاء مروة* ـ مونتريال
قرأت رواية «عراقية ولكن» للكاتبة العراقية أمل حبيب، ولم أكن أعلم أنني سأخرج من صفحاتها وأنا أحمل كل هذا الوجع في قلبي. كنت أقرأ، ثم أتوقف، وأعود إلى السطور من جديد، وكأن عقلي يرفض تصديق ما تقرأه عيناي. شعرت أحيانا أن ما أقرأه لا يمكن أن يكون حقيقة، وأن هذا القدر من القسوة لا يمكن أن يسكن قلب إنسان، لكن الحقيقة كانت أشد قسوة من الخيال.
بكيت وأنا أقرأ، لا لأن الحكاية حزينة فحسب، بل لأنني شعرت أنني أعيش تفاصيلها، وأقترب من وجع نساء لم يخترن ما حدث لهن، ومن أمهات عشن الرعب على أبنائهن، ومن عائلات سرقت منها الطمأنينة في لحظات، ومن بشر وجدوا أنفسهم أمام قسوة لا تشبه أي شيء عرفوه من قبل.
في هذه الرواية، لا تقف المأساة عند حدود الكلمات. هناك رجال قتلوا، ورؤوس قطعت، وأطفال انتزعت منهم براءة الحياة، ونساء تعرضن للاغتصاب والإذلال، وأمهات وجدن أنفسهن أمام مشاهد لا تحتملها القلوب. كانت المرأة في قلب هذه المأساة، جسدا مستباحا، وروحا جريحة، وذاكرة تحمل ما لا تستطيع الكلمات أن تصفه.
وكلما تقدمت في القراءة، كان السؤال يكبر داخلي: كيف يمكن لإنسان أن يفعل كل هذا بإنسان آخر؟ كيف تتحول المرأة، التي تحمل الحياة في قلبها، إلى ضحية لعنف يسلبها أبسط حقوقها في الأمان والكرامة؟ وكيف يمكن لفتاة أن تستيقظ يوما لتجد أن حياتها قد انقسمت إلى زمنين؛ زمن كانت فيه تحلم وتضحك وتخطط للمستقبل، وزمن آخر فرض عليها بالقوة، وترك في روحها جرحا لا يراه الناس؟
لقد آلمتني هذه الحكاية؛ لأن وراء كل فتاة اسما، ووجها، وعائلة، وطفولة، وأحلاما لم تكتمل. لم تكن أي منهن مجرد رقم في خبر، ولا صورة عابرة في نشرة أخبار. كانت كل واحدة منهن إنسانة لها عالمها الصغير، وأمنياتها البسيطة، وحقها في أن تعيش بسلام، وأن تختار طريقها، وأن تحب وتتعلم وتكبر من دون خوف.
تحية إلى كل فتاة سلبها العنف طمأنينتها
إلى كل فتاة تعرضت للاغتصاب، وإلى كل امرأة حملت في روحها أثر الاعتداء والقهر، أكتب هذه الكلمات بكل ما في قلبي من ألم واحترام.
أنت لست مذنبة. لم تكوني يوما مسؤولة عن جريمة ارتكبها غيرك بحقك. لا ينتقص من كرامتك ما فعله المعتدي، ولا تختصر حياتك في لحظة ظلم سلبت فيها إرادتك. العار ليس في جسد الضحية، بل في يد امتدت لتؤذي، وفي عقل جرد الإنسان من إنسانيته، وفي كل من حاول أن يجعل المظلومة تحمل وزر الجريمة التي ارتكبت بحقها.
لك مني تحية تليق بصمودك، وبقلبك الذي حاول أن يواصل الحياة رغم ما مر به. تحية لكل فتاة قاومت خوفها، ولكل امرأة حاولت أن تجمع شتات روحها، ولكل أم احتضنت ابنتها حين عجز الكلام عن مواساتها. وتحية لكل من وقف إلى جانب الضحايا، وصدقهن، وحماهن من اللوم، ومنحهن الأمان بدلا من أن يضيف إلى جراحهن جرحا جديدا.
إن الصمود لا يعني أن تنسى المرأة ما حدث، ولا أن تتظاهر بالقوة في كل لحظة، ولا أن تخفي دموعها حتى يرضى عنها الآخرون. قد تبكي، وقد تتعب، وقد تحتاج إلى سنوات لتستعيد شعورها بالأمان. ومع ذلك، يحق لها أن تبدأ من جديد، وأن تحلم، وأن تفرح، وأن تعيش حياة لا يحددها المعتدي، ولا تحاصرها نظرة المجتمع.
فالصمود الحقيقي ليس ألا تنكسر المرأة أبدا، بل أن تجد من يمد لها يده حين تتعب، ومن يحمي حقها في الحياة حين تضيق بها الطرق.
العراق… وذاكرة النخيل
وأنا أقرأ، حضرت صورة العراق في ذاكرتي؛ ذلك الوطن الذي لا تختصره الحروب، ولا تمحوه المآسي، ولا تستطيع يد العنف أن تنتزع منه تاريخه كله. رأيت في مخيلتي نخيله الممتد نحو السماء، وجذوعه التي تعرف معنى الصبر، وجذوره التي تتشبث بالأرض مهما اشتدت الرياح.
تخيلت النخيل واقفا في أرض العراق، صامتا أمام ما جرى، كأنه شاهد على حكايات كثيرة لم ترو، وعلى دموع سقطت بعيدا عن عيون الناس. كم يشبه هذا النخيل أبناء العراق؛ يتعبون، وتثقلهم الجراح، لكن في أعماقهم جذورا لا يسهل اقتلاعها.
العراق ليس صورة للحرب، ولا حكاية عن الموت وحده. العراق ذاكرة وحضارة وبيوت قديمة، وأمهات ينتظرن عودة أبنائهن، وفتيات كن يحلمن بمستقبل عادي، وأطفال يستحقون أن يكبروا وهم يعرفون معنى الأمان. والعراق أيضا نساء حملن الألم بصمت، وحاولن أن يحمين ما تبقى من الحياة، وأن يحفظن لأبنائهن حقهم في الأمل.
وكم هو موجع أن تضطر فتاة إلى أن تتعلم معنى الخوف قبل أن تعرف معنى الحب، وأن تواجه آثار جريمة لم ترتكبها، ثم تجد نفسها مطالبة بأن تشرح وجعها للآخرين، أو أن تثبت لهم أنها تستحق الاحترام. إن واجبنا تجاه هؤلاء النساء ليس الشفقة العابرة، بل الوقوف إلى جانبهن، وحماية كرامتهن، ورفض كل كلمة تحمّلهن مسؤولية ما تعرضن له.
تحية للكاتبة أمل حبيب
وهنا أتوقف أمام الكاتبة العراقية أمل حبيب، لأوجه إليها تحية تقدير واحترام. شكرا لها لأنها اختارت أن تكتب عن وجع لا يسهل الاقتراب منه، وأن تفتح نافذة على حكايات قد يعجز كثيرون عن قراءتها حتى النهاية. فالكتابة عن المآسي ليست أمرا سهلا؛ إنها مسؤولية إنسانية، ومحاولة لحفظ الذاكرة من النسيان، ومنح الألم صوتا حين يعجز أصحابه عن الكلام.
شكرا لها لأنها جعلتني أتوقف طويلا أمام صفحات الرواية، وأفكر في مصائر النساء، وفي معنى الكرامة، وفي قسوة أن يتحول الإنسان إلى ضحية لعنف لا ذنب له فيه. قد تختلف قراءاتنا للأدب، لكن بعض الحكايات تتجاوز حدود الرأي والنقد؛ لأنها تضعنا أمام سؤال إنساني كبير: ماذا يبقى من العالم إذا فقد الإنسان قدرته على الرحمة؟
إن الرواية التي تترك هذا الأثر في النفس لا تنتهي بانتهاء القراءة. تبقى شخصياتها في الذاكرة، وترافقنا أسئلتها، وتجعلنا ننظر إلى الأخبار والوجوه والحكايات بعين مختلفة. وهذا ما شعرت به وأنا أطوي صفحات «عراقية ولكن»؛ لم أشعر أنني أنهيت كتابا، بل شعرت أنني أغلقت الصفحات وتركت خلفها أبوابا كثيرة من الألم مفتوحة في داخلي.
لقد بكيت، وتألمت، وشعرت لحظات أنني أعيش الحكاية مع أصحابها. وربما لهذا السبب أردت أن أكتب؛ لأن هناك وجعا لا يكفي أن نشعر به وحدنا، ولأن الصمت أمام معاناة الإنسان قد يجعل الحكايات تنسى، بينما تحتاج هذه الحكايات إلى من يسمعها، ويحفظها، وينقلها بصدق.
من نافذتي التربوية… الإنسان أولا
ومن موقعي كباحثة تربوية، أرى أن هذه الحكايات تتجاوز حدود الأدب لتضع أمامنا مسؤولية تربوية وإنسانية كبيرة. فالتربية ليست مجرد تعليم للقراءة والكتابة، وليست معلومات نحفظها ثم نستعيدها في الامتحانات، بل هي بناء للوعي، وتشكيل للضمير، وغرس للقيم التي تجعل الإنسان أكثر احتراما لحقوق الآخرين وكرامتهم.
إن الأسرة والمدرسة والمؤسسات التربوية والثقافية تتحمل مسؤولية مشتركة في تنشئة أجيال ترفض العنف، وتحترم المرأة، وتتعلم أن الاختلاف لا يبرر الإيذاء، وأن القوة الحقيقية لا تكون في إخضاع الآخرين، بل في احترام إنسانيتهم وصون حقوقهم.
ومن المهم أن نربي أبناءنا على التمييز بين الجريمة والضحية، وألا نسمح للأحكام الاجتماعية القاسية بأن تتحول إلى عبء إضافي على من تعرضوا للعنف. فالفتاة التي تعرضت للاغتصاب تحتاج إلى الحماية والدعم والاحتواء، لا إلى اللوم والتشهير. وهي تحتاج إلى مجتمع يساعدها على استعادة شعورها بالأمان، لا إلى مجتمع يذكرها باستمرار بما تعرضت له.
كما أن للمدرسة دورا أساسيا في ترسيخ قيم التعاطف والمسؤولية واحترام الإنسان، وفي تعليم الأطفال أن الكرامة حق للجميع، وأن التنمر والإهانة والإقصاء ليست مظاهر للقوة، بل سلوكيات يجب مواجهتها بالوعي والتربية والحوار.
إن بناء الإنسان الواعي يبدأ منذ الطفولة، حين يتعلم الطفل أن يحترم مشاعر الآخرين، وأن يرفض الظلم، وأن يدافع عن الضعيف، وأن يدرك أن لكل إنسان قيمة لا تتوقف على مظهره أو ظروفه أو ما تعرض له في حياته.
ومن هنا، فإن الكتابة عن هذه القضايا ليست مجرد تعبير عن الحزن، بل هي مساهمة في نشر الوعي، وحفظ الذاكرة، والدعوة إلى مجتمع أكثر عدلا ورحمة. فالكلمة الواعية قد تفتح نافذة للأمل، وقد تسهم في تصحيح فكرة خاطئة، وقد تمنح إنسانا يشعر بالوحدة إحساسا بأنه ليس وحده.
خاتمة من القلب
بعض الكتب لا تنتهي عند الصفحة الأخيرة، بل تبدأ حكايتها الحقيقية في داخلنا، حيث تبقى الدموع شاهدة على ما عجزت الكلمات عن وصفه.
وتبقى «عراقية ولكن» حكاية تذكرنا بأن وراء كل مأساة إنسانا، ووراء كل اسم حياة، ووراء كل دمعة وجعا يستحق أن يسمع. وتبقى تحيتي لكل فتاة نجت، ولكل امرأة ما زالت تحاول أن تتعافى، ولكل روح قاومت كي لا تسمح للقسوة بأن تسلبها حقها في الأمل.
إلى كل امرأة في هذا العالم دفعت ثمن العنف من روحها وطمأنينتها: أنت تستحقين الحياة الآمنة، والكرامة، والعدالة، ومستقبلا لا تطاردك فيه ظلال ما حدث. فالجرح قد يبقى في الذاكرة، لكن الجريمة لا يجب أن تكون نهاية الحكاية. ومن حق كل امرأة أن تكتب فصلها القادم بيدها، وأن تستعيد صوتها، وأن تعيش من دون خوف أو خجل من ظلم لم ترتكبه.
أما أنا، فقد خرجت من هذه الرواية وأنا أكثر إيمانا بأن الكلمة ليست حبراً على ورق فحسب؛ قد تكون شهادة، وقد تكون موقفا، وقد تكون يدا تمتد إلى إنسان بعيد، لنلتقي معه عند معنى واحد: أن كرامة الإنسان لا تسقط مهما حاول الظلم أن يسلبها، وأن الذاكرة حين تحفظ الحقيقة تمنح الضحايا حقهم في ألا ينسوا.
وبصفتي باحثة تربوية، أؤمن بأن مسؤوليتنا لا تنتهي عند قراءة الحكايات المؤلمة أو التأثر بها، بل تبدأ حين نحول هذا التأثر إلى وعي وموقف وعمل. مسؤوليتنا أن نربي جيلا يحترم الإنسان، ويرفض العنف، ويحمي المظلوم، ويؤمن بأن كرامة المرأة ليست موضع مساومة أو حكم، بل حق أصيل لا يجوز المساس به.
إن التربية الحقيقية هي التي تبني إنسانا لا يكتفي بالتعاطف مع الضحية، بل يرفض الظلم الذي تعرضت له، ويسهم في خلق بيئة آمنة تستطيع فيها كل فتاة أن تعيش وتتعلم وتحلم من دون خوف. وهي التي تعلمنا أن الصمت عن المعاناة لا يداوي الجراح، وأن الوعي والرحمة والعدالة هي الخطوات الأولى نحو مجتمع أكثر إنسانية.
تحية للكاتبة أمل حبيب، وتحية لكل امرأة عراقية قاومت الألم، ولكل فتاة تعرضت للاغتصاب أو العنف، ولكل أم حملت وجعها بصمت، ولكل إنسان تمسك بكرامته رغم قسوة الظروف.
فمهما اشتد الظلم، تبقى الإنسانية أسمى من الجريمة، وتبقى الكرامة حقا لا يسقط، ويبقى الأمل ممكنا ما دام هناك من يكتب، ومن يقرأ، ومن يرفض أن تمر المآسي من دون أن تترك فينا وعيا ومسؤولية.
كلمة شكر وتقدير
وفي ختام هذه القراءة، أتقدم بخالص الشكر وعظيم الامتنان إلى الأستاذ حسام مقبل، مؤسس «الكتاب العربي في كندا»، تقديرا لجهوده في دعم الثقافة العربية، واحتضان الكتّاب والمبدعين، وإتاحة المساحة أمام الكلمة الأدبية لتصل إلى القراء وتحمل رسائلها الإنسانية. إن رعاية الثقافة في بلاد الاغتراب مسؤولية نبيلة، تسهم في الحفاظ على لغتنا وهويتنا، وتعزز حضور الأدب العربي بوصفه جسرا للتواصل والحوار بين الثقافات.
كما أتوجه بخالص التقدير إلى الدكتور ستار مصلح، لما بذله من جهد في تسليط الضوء على هذه الحكاية الإنسانية، وإبراز أبعادها الثقافية والوجدانية، بما يساعد على إيصال رسالتها إلى القراء وفتح المجال أمام التأمل في قضايا الإنسان وكرامته.
لهما مني كل الاحترام والامتنان، ولكل من يؤمن بأن الثقافة ليست ترفا، وأن الكتاب ليس مجرد صفحات، بل مساحة للوعي، وصوت للإنسان، وذاكرة تحفظ الحكايات من النسيان.
*باحثة تربوية في مونتريال – كندا
29 مشاهدة
19 أكتوبر, 2026
127 مشاهدة
13 أكتوبر, 2026
155 مشاهدة
13 أكتوبر, 2026