Sadaonline

وقد امتلأتُ بكل أسباب الغياب

الحنين دليل على أنّ في القلب أماكن لم تستطع الأيام أن تهدمها


د. وفاء مروة بليطة – مونتريال
وأمّا أنا، وقد امتلأتُ بكلِّ أسباب الغياب، فما عدتُ أعرفُ أأنا التي رحلتُ عن الأماكن، أم أنّ الأماكن هي التي رحلتْ منّي. كأنني أحمل في داخلي مدنًا كاملة، لكنها لم تعد تعرف الطريق إليّ، وكأنّ الذاكرة أصبحت وطنًا آخر أقيم فيه، كلما ضاقت بي المسافات واتسعت بيني وبين ما أحببت.

الغياب ليس دائمًا سفرًا، وليس الرحيل بالضرورة أن نغادر المكان بأقدامنا. أحيانًا نغيب ونحن في قلب الأشياء، نجلس بين الوجوه ذاتها، ونسمع الأصوات نفسها، لكن شيئًا في أعماقنا يكون قد ابتعد كثيرًا. هناك غياب لا تُقاس مسافته بالكيلومترات، بل بما تركه الزمن في القلب من فراغ.

وأنا، التي حملتُ معي تفاصيل الأمكنة، لم أحمل المكان وحده؛ حملتُ طفولتي، ووجوه أحبتي، وضحكات الأصدقاء، ورائحة البيوت القديمة، ودفء الشوارع التي كانت تعرف خطواتي. حملتُ أشياء صغيرة لا ينتبه إليها أحد، لكنها بالنسبة إليّ كانت وطنًا كاملًا.

قد نغادر الوطن بحثًا عن الأمان، وقد نبتعد عن الأهل لأن الحياة دفعتنا إلى طرق لم نخترها، وقد نعيش سنوات طويلة في بلاد أخرى، نتعلم لغتها، ونعتاد شوارعها، ونبني فيها حياة جديدة، لكن شيئًا في داخلنا يبقى معلّقًا هناك، عند أول بيت، وأول مدرسة، وأول صديق، وأول حكاية.

وليس الحنين ضعفًا كما يظن البعض؛ الحنين دليل على أنّ في القلب أماكن لم تستطع الأيام أن تهدمها. هو ذاكرة تقاوم النسيان، وصوت خافت يذكّرنا بمن كنّا قبل أن تغيّرنا الغربة، وقبل أن تعلّمنا الحياة كيف نكون أقوياء أمام الأشياء التي تؤلمنا.

لقد علّمتني الغربة أنّ الإنسان يستطيع أن يعيش في أكثر من مكان، لكنه لا يستطيع أن يقتلع كل الأمكنة من قلبه. هناك وطن يسكن الجغرافيا، ووطن آخر يسكن الذاكرة، وبينهما يعيش الإنسان مسافرًا، حتى حين يستقر.

وأما أنا، فقد امتلأتُ بكل أسباب الغياب، لكنني لم أمتلئ بالنسيان. ما زلتُ أعود كل ليلة إلى تلك التفاصيل التي ظننتُ أنني تركتها خلفي. أعود إلى الوجوه التي أحببتها، إلى الأماكن التي صنعت جزءًا من حكايتي، وإلى وطنٍ لم يكن مجرد أرض، بل كان طفولةً وذاكرةً وهويةً وأمانًا وحلمًا.

ربما لا نستطيع العودة إلى الماضي كما كان، ولا نستطيع أن نستعيد الأشخاص والأيام والأماكن بالصورة التي حفظناها في ذاكرتنا، لكننا نستطيع أن نحملها معنا، وأن نحول الغياب إلى كتابة، والحنين إلى ذاكرة، والرحيل إلى حكاية.

لهذا، حين أقول: «وقد امتلأتُ بكل أسباب الغياب»، فأنا لا أعني أنني فارغة من الحياة، بل أعني أنني ممتلئة بما غاب. ممتلئة بأصوات الذين أحببتهم، بصور الأمكنة التي تركتها، بأيام لم تعد، وبأسئلة لا تزال تبحث عن إجابات.

أنا الغائبة الحاضرة؛ أعيش هنا، لكن جزءًا مني ما زال هناك. أمشي في شوارع جديدة، لكن خطواتي تحمل إيقاع الشوارع القديمة. أتعرف إلى وجوه جديدة، لكن الذاكرة تحتفظ بأسماء لا تغادرها. أعيش الحاضر بكل تفاصيله، وفي داخلي نافذة مفتوحة دائمًا على الماضي.

ولعل أجمل ما يمكن أن يفعله الإنسان أمام الغياب هو ألا يحوّله إلى انكسار. أن يجعل منه قدرة على فهم الحياة، وأن يكتب بدل أن يصمت، وأن يحب بدل أن يقسو، وأن يحفظ الجميل بدل أن يستسلم للنسيان.

فالغياب، مهما كان قاسيًا، لا يستطيع أن يمحو أثر الذين أحببناهم، ولا يستطيع أن يلغي وطنًا سكن القلب طويلًا. قد تتغير الأماكن، وتتبدل الوجوه، وتطول السنوات، لكن بعض الأشياء تبقى كما هي، لأنها لم تكن يومًا مرتبطة بالمكان وحده، بل كانت جزءًا من تكويننا.

وأنا، وقد امتلأت بكل أسباب الغياب، ما زلت أبحث عن معنى للحضور. أبحث عن وطنٍ أستطيع أن أعود إليه، وعن ذاكرة أستطيع أن أصالحها، وعن قلبٍ لا يخاف من الحنين.

فربما يكون الإنسان، في نهاية الأمر، ليس المكان الذي يعيش فيه، بل كل الأماكن التي تركت أثرًا فيه.

وربما لا يكون الوطن هو المكان الذي نعود إليه فقط، بل المكان الذي يعود إلينا كلما اشتقنا، وكلما أغمضنا أعيننا، وكلما نادانا الحنين من بعيد.