مونتريال – صدى أونلاين
أثار تعديل المقترح الذي قدمته Projet Montréal للتضامن مع الشعب الفلسطيني جدلاً واسعاً بين من اعتبر أن إدارة العمدة سورايا مارتينيز فيرادا أفرغت النص من أبرز مطالبه، ومن رأى أن القرار الذي أُقر في النهاية لا يزال يحمل موقفاً سياسياً مهماً بشأن فلسطين والقانون الدولي.
لكن ماذا تقول الوثيقة المعدّلة نفسها؟
مراجعة صدى أونلاين للنص الذي عُرض على مجلس بلدية مونتريال تكشف أن التعديلات كانت جوهرية بالفعل، وخصوصاً لجهة إسقاط الإجراءات البلدية المباشرة ضد إسرائيل والتخلي عن تبني المجلس بنفسه بعض التوصيفات القانونية. لكن النص النهائي أبقى، في المقابل، إشارات واضحة إلى فلسطين وغزة و«الإبادة الجماعية» والإجراءات القضائية الدولية، وطالب كندا وكيبيك باللجوء إلى العقوبات ضد المسؤولين عن الانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي.
المقترح الأصلي كان يذهب أبعد
كان اقتراح Projet Montréal الأصلي أكثر مباشرة تجاه إسرائيل، إذ طالب المدينة باتخاذ موقف بنفسها من توصيف ما يجري في فلسطين، وتضمن مطالبة بتعليق العلاقات المؤسسية لمدينة مونتريال مع الحكومة الإسرائيلية ومؤسساتها وبلدياتها.
كما كان يتضمن وقف دعوة ممثلي دولة إسرائيل إلى المناسبات الرسمية في البلدية، وربط استئناف تلك العلاقات بشروط تتعلق باحترام القانون الدولي وحقوق الفلسطينيين.
هذه الإجراءات المباشرة لم تعد موجودة في النص المعدّل الذي جرى التصويت عليه.
وبالتالي، فإن أحد أبرز التنازلات في التسوية كان انتقال القرار من المطالبة بإجراءات بلدية مباشرة تجاه إسرائيل إلى موقف سياسي وإنساني يركز على التضامن والقانون الدولي والتحرك المطلوب من حكومتي كندا وكيبيك.
هل حُذفت «الإبادة الجماعية»؟ ليس تماماً
وهنا تبرز نقطة مهمة في قراءة القرار النهائي.
فخلافاً للانطباع الذي قد ينشأ من القول إن كلمة «الإبادة» حُذفت ببساطة، فإن النص المعدّل لا يزال يتضمنها بصورة واضحة.
ففي حيثيات القرار، ورد أن لجنة التحقيق الدولية المستقلة التابعة لمجلس حقوق الإنسان في الأمم المتحدة نشرت في 16 سبتمبر 2025 تقريراً خلص إلى أن إسرائيل ترتكب إبادة جماعية بحق الفلسطينيين في غزة، ودعا إسرائيل والدول الأعضاء في الأمم المتحدة إلى الوفاء بالتزاماتها القانونية لإنهائها ومعاقبة المسؤولين عنها.
لكن الفرق الأساسي هو أن مجلس بلدية مونتريال لم يعد هو الجهة التي تعلن بنفسها في البنود التنفيذية أن إسرائيل ترتكب إبادة جماعية.
وبدلاً من ذلك، تبنى صيغة تستند إلى الهيئات الدولية المختصة.
ومحكمة العدل الدولية بقيت في القرار
هذا التغيير يظهر بصورة أوضح في أحد أهم بنود القرار النهائي.
فقد أعلن المجلس تضامنه مع الشعب الفلسطيني ومع جميع الضحايا المدنيين للحروب في المنطقة، وأكد تمسكه بالقانون الدولي والقانون الدولي الإنساني.
والأهم أنه أعلن دعمه لعمل الهيئات القضائية والمنظمات الدولية المختصة بالنظر في مزاعم انتهاكات القانون الدولي في قطاع غزة، وذكر تحديداً الإجراءات الجارية أمام محكمة العدل الدولية بشأن تطبيق وتفسير اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها.
وهذا يعني أن التعديل لم يُخرج قضية الإبادة من القرار، وإنما نقل مركز الثقل من إعلان سياسي مباشر من البلدية إلى الاستناد إلى التحقيقات والإجراءات القانونية الدولية.
وماذا عن «الفصل العنصري»؟
الوضع مختلف بالنسبة إلى مصطلح apartheid – الفصل العنصري.
فالنسخة المعدلة التي راجعها صدى أونلاين لا تتضمن في بنودها وصف السياسات الإسرائيلية بأنها «نظام فصل عنصري».
لكن النص يحتفظ بإشارة تاريخية إلى موقف مونتريال عام 1989 ضد نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا واستقبال نيلسون مانديلا بعد الإفراج عنه، في سياق الحديث عن تاريخ المدينة في اتخاذ مواقف ضد أنظمة الفصل والاضطهاد.
وبالتالي، فإن التوصيف المباشر المتعلق بإسرائيل والفصل العنصري الذي كان وارداً في المقترح الأصلي لم يعد موجوداً في الصيغة النهائية.
نتنياهو ومذكرة المحكمة الجنائية بقيا أيضاً
ومن التفاصيل اللافتة التي بقيت في النص المعدّل الإشارة صراحة إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.
فالوثيقة تقول إنه يخضع لمذكرة توقيف صادرة عن المحكمة الجنائية الدولية بتهم جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، وتشير كذلك إلى أن رئيس الوزراء الكندي مارك كارني أكد أن كندا ستحترم التزاماتها الناشئة عن مذكرة المحكمة.
كما يتضمن النص الإشارة إلى اعتراف كندا رسمياً بدولة فلسطين، وإلى العقوبات الكندية المفروضة على أفراد وكيانات مرتبطة بعنف المستوطنين المتطرفين ضد المدنيين الفلسطينيين في الضفة الغربية والقدس الشرقية.
بند العقوبات بقي.. ولكن بصيغة مختلفة
ومن أبرز النقاط التي ربما لم تحصل على اهتمام كافٍ بعد التصويت أن القرار النهائي يتحدث صراحة عن العقوبات.
فقد طالب مجلس بلدية مونتريال حكومتي كندا وكيبيك بإظهار قيادة أكبر من أجل التوصل إلى حل سلمي، من خلال الآليات الدبلوماسية المناسبة واحترام القانون الدولي، وكذلك:
«فرض عقوبات على الأطراف والأفراد المسؤولين عن الانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي الإنساني وحقوق الإنسان».
لكن الصياغة لا تحصر العقوبات بإسرائيل وحدها، بل تتحدث عن «الأطراف والأفراد المسؤولين» عن الانتهاكات.
إدانة هجمات 7 أكتوبر بقيت واضحة
وفي الوقت نفسه، حرص النص النهائي على تضمين موقف واضح من هجمات 7 أكتوبر وحركة حماس. وهذه النقطة تساعد على فهم طبيعة التسوية التي سمحت بتوسيع قاعدة المؤيدين للقرار النهائي.
اليهود والإسرائيليون ليسوا مسؤولين عن أفعال الحكومة
كما أبقى القرار بنداً واضحاً يؤكد أن الجاليات اليهودية في مونتريال وخارجها والأشخاص من أصول إسرائيلية لا يمكن تحميلهم مسؤولية أفعال دولة إسرائيل.
وأشار النص إلى ارتفاع مقلق في معاداة السامية، بالتوازي مع تأكيده أن معاداة السامية والإسلاموفوبيا والعنصرية والتمييز وخطاب الكراهية والترهيب والعنف لا مكان لها في مونتريال.
فلسطين ولبنان وإيران أيضاً
القرار لم يحصر الجانب الإنساني بغزة وحدها.
فقد عبّر المجلس عن تعاطفه مع جميع الضحايا المدنيين للنزاعات في المنطقة، وتضامنه مع سكان مونتريال الذين لديهم أقارب أو عائلات أو مجتمعات متضررة من النزاعات في فلسطين وإسرائيل ولبنان وإيران وأماكن أخرى في المنطقة.
إذن.. ماذا بقي وماذا سقط؟
الخلاصة التي تظهر من مقارنة التوجهين هي أن الشق الأكثر مباشرة وعقابية على المستوى البلدي جرى تخفيفه بصورة كبيرة.
سقطت المطالبة بتعليق العلاقات المؤسسية مع إسرائيل وعدم دعوة ممثليها إلى المناسبات الرسمية، كما لم تعد مدينة مونتريال تتبنى بنفسها في البنود التنفيذية توصيف إسرائيل بأنها ترتكب «إبادة جماعية» أو تفرض «نظام فصل عنصري».
لكن في المقابل، لم تتحول الصيغة النهائية إلى مجرد إعلان عام عن السلام.
فقد بقي فيها التضامن الصريح مع الشعب الفلسطيني، والإشارة إلى تقرير أممي خلص إلى وقوع إبادة في غزة، والإجراءات أمام محكمة العدل الدولية بشأن اتفاقية الإبادة، ومذكرة المحكمة الجنائية الدولية بحق نتنياهو، والدعوة إلى احترام القانون الدولي، بل والمطالبة بفرض عقوبات على المسؤولين عن الانتهاكات الجسيمة.
وهذا يفسر إلى حد كبير لماذا اعتبر أعضاء المجلس أريج القربي ويوسف حريري وصوفي محسن، رغم قولهم إن القرار لم يتضمن كل ما كانوا يتمنونه، أنه يمثل «مكسباً مهماً وتقدماً ملموساً» يمكن البناء عليه.
كما يساعد في تفسير استمرار اعتراض السفارة الإسرائيلية في كندا على القرار رغم اعترافها بأن الصيغة المعدلة أفضل من المقترح الأصلي.
وبالتالي، فإن الوصف الأدق لما حدث ليس أن مجلس مونتريال «أسقط قرار فلسطين» ولا أنه «أقر المقترح الأصلي»، بل إنه أقر تسوية سياسية مخففة بصورة واضحة عن مشروع Projet Montréal، لكنها أبقت عناصر جوهرية تتعلق بفلسطين وغزة والقانون الدولي والمساءلة والعقوبات.
170 مشاهدة
27 أغسطس, 2026
59 مشاهدة
27 أغسطس, 2026
46 مشاهدة
27 أغسطس, 2026