Sadaonline

علي شحادة قائدا كشفيا.. ونحن في الأثر!

القائد علي، هكذا كنا نسميه، هكذا واظبنا على مخاطبته به، وهكذا سيبقى في الذاكرة.. قائدا من صناعة هذه المدينة ونسيجها!

طلال طه - مونتريال 
كيف حط في المدينة، من أي الأبواب دخلها، صيفا كان أو شتاءا، أو جاءها ربيعا ربما .. فصله الأثير، هل وصل صباحا أو مساءا، من أبوابها الواسعة أو متسللا مثل ثائر !
لم أجد من يذكر ذلك بالتفصيل، في تلك الأيام من أواخر الثمانينات دخل المدينة خلق كثير، جاؤوا بأعمار واعدة، وحقائب فقيرة، ولغة خجولة، وكميات من عصير الأيام الصعبة في وطن لا يحب أبناؤه!
دخلوا المدينة من الباب الخلفي.. على استحياء، تنقذهم صلواتهم من صقيع المدينة والوانها الزاهية، كانت الجماعة ملاذ دفئهم، ومأوى غربتهم، وناديهم المفضل.. شعوبا وعشائر وأبناء ضيع متجاورة جاؤوا.. لتعارفوا، إن أكرمكم عند الله أكثركم خدمة لغيره! 
ما سودته وريقات تاريخ المدينة، ما باحت به بعد غيابه كان نتفا من تاريخها المكتوب، ما لم يكتب كان هو التاريخ الحقيقي، البطولات، المآثر، الحقائق، المواقف.. الرجال!
كل ذلك لم يعد يقدم على مائدة تاريخها الملعون، أصبحت الأضواء أكثر صخبا، والمواقف الثابتة استثناءا على حاضر يستهلك من مخزون ذاك التاريخ الجميل الذي لم يكتب بعد.. ربما لن يكتب أبدا، فالتاريخ تكتبه السلطة، فكيف إذا كانت سلطة بائسة تريد أن تتلطى خلف تاريخ مزيف ومفتعل وكاذب!..
القائد علي، هكذا كنا نسميه، هكذا واظبنا على مخاطبته به، وهكذا سيبقى في الذاكرة.. قائدا من صناعة هذه المدينة ونسيجها!
بدأ في اللجنة الثقافية للجماعة، كتعبير عن فهم لواقع المدينة، جالية حديثة التكوين، تحتاج لمن يعطي من وقته الخاص لصالح العمل العام، ولما كانت الثقافة ساحة عمله، فهذا يعني انه مشتمل ومنشغل على الجوانب الرخوة في تكوين المهاجر مفردا والجالية جماعة.. وحلمها باحتلال موقعها على جغرافية المدينة!
سقطت مظلته في الكشافة بعد تبادل في الخبرات ما بين الجماعة والكشافة، أملتها ظروف خاصة أحاطت بواقع المدينة في سنوات الجمر مع بدايات التسعينات!
حط في الكشافة قائدا متألقا، متنمقا، يحمل صفارته الحادة لتستقيم صفوف الجيل الأول من خريجي كشافتنا الأعزاء!
لم يخلع الكاكي إلا حين النوم، عاش كشافا كالقسم، ينصب خيمته في كل أحياء المدينة، يدعو الشباب لسهرة حول النار، يريهم جحيمها، ثم يقنعهم بالدفء والكلمة الطيبة، ليستفيقوا بعدها قادة ورجالا ومسؤولية!
لم يكن الحاج شجرة تسقط فيسمع كل الناس ضجيجها، بل كان كغابة تنمو في زوايا شمال المدينة ولا أحد يسمع حسيسها وضجيجها!
ليستفيق الناس على غابة من العصافير، كيف نبتوا في هذه الناحية، كيف تلاقوا، وتعارفوا، وتحابوا، وتزوجوا، وتناسلوا.. كيف ضاق بنا المكان!
* * * * * * *
حين تحرر الجنوب عام ألفين، غاب الحاج علي في انطوائه وعزلته، يخير نفسه بين الوطن والغربة، بين الراحة والتعب، بين الضوء والعتمة، بين الماء والعطش، بين الأهل والأهل.. ثم استقر به الرأي أن ينصب من جديد خيمته الكشفية هناك، في الوطن، قبالة منزله في زوطر، حيث استشهد وهو يرفع العلم! 
بعد التحرير بأشهر، اقتربت منه أكثر، كان يلملم ما تبقى منه في سنوات الغربة، كان كمن يحرق خلفه مراكب العودة، كان الوطن أكثر إقناعا من الغربة، ولم تعد قلعة الشقيف – أرنون تطل على حديقة منزله بالرصاص، كان يشعر بالأمان أكثر مما كنا نشعر به نحن في مونتريال، لم أكن الشخص المناسب لأقنع القائد علي بمتابعة التحية الكشفية في هذه المدينة، كنت أحد أصحاب نظرية العودة الى الوطن.. وكانت هذه إحدى زلاتي التي أعتز بها!
* * * * * * *
جاء الى المدينة وحيدا، وها هو يعود بزوجة وطفلين وأحلام كثيرة، على قدر طاقة الوطن على التحمل، إذ كان لينوء بما لدى القائد علي من التفاؤل والإصرار والإرادة!
أخذ حاجته من الثلج، على مدى أكثر من عشر سنوات، وعاد بها الى الضيعة، رصفها حول منزله الجديد، الذي بناه من ثمرة الجوع، فجاءت كشافة من الجوار تأوي اليه.
لم أدر إن كان القائد علي قد جرب الموت شهادة قبلا! أعرف أنه كان يحكي عن الجنة كأنه رآها، أو كأنها رسمت بريشة كشافة محترفون، يوزعون الألوان في مساقطها الصحيحة، لتصبح كما تليق بخالقها!
أعرف أنه كان يكتب نصوصا هناك في محترفه على تقاطع عدة شوارع ما بين حي السراي وحي البياض في النبطية، نصوصا سرية عن الصبر والفخر، والمسؤولية والتضحية، يأوي اليه مجموعة من الأصدقاء المياومين والدائمين، وآخرين عابري سبيل ومتعلمين على سبيل نجاة!
كان وجوده في محترفه في تلك الزاوية من النبطية دليل على احتمالات الحياة أكثر من احتمالات النوم، وأن هذا المنتدى لا يزال يأمل بزائر جديد في هذا النهار.. تعودت أن أكون أنا! 
واعتاد هو أن يقول لي: جئت في وقتك، أسئلتي الصعبة والمحرجة لا أبوح بها إلا لك!
كان لديه دائما الكثير من الأسئلة، وكانت لدي القليل من الأجوبة، لكني كنت أعلم يقينا، أن أسئلته تلك سوف تورده.. الشهادة! 
* * * * * *
القائد علي كان دليلا قطعيا كما تقول سيرة المتشرعة على ضرورة رجوع الجاهل الى العالم، وتبعية الأحكام للمصالح والمفاسد، ومبنى التسامح بالسنن، وأخيرا لم يكن يلتزم بلزوم ما لم يلزم.. إذ شرع نافذته للهواء، التي منها دخلت القذيفة، ليستقم كما أراد!
كان يقرأ الناس من زاويته المطلة على الشارع العام، بعيدا عن صخب الجمهور، قريب من مناجاة الخواص، له عالمه الذي يصنعه على شاكلة ذائقته الكشفية المنيعة، في أيامه الأخيرة كان مواطنا من المنطقة "ب"، ثم حالفه الحظ.. فارتقى شهيدا!
* * * * * *
لم يلق حظه من المنابر، لعلها لم تكن تليق به، كانت حصته على الشجرة!
لن أقول لكم ما هي الشجرة، فتلك أصبحت من أسرارنا في السنوات الأخيرة، كانت الشجرة سر من أسرار عجينته الطيبة والزكية.
كان يبتسم حين يذكرها.. الشجرة، إذ كانت توزع خيرها على الضيوف، تؤمن من خوف وتطعم من جوع وتسقي من عطش.. وفيها مآرب أخرى!
ثم أسأل، ألا تزال الشجرة منتصبة بعد هذه الحرب، تلقي بأغصانها على أصدقاء التعب، توزع الظل على المتعبدين في تلك الزاوية من النبطية، إذ يفرش سجادته للصلاة، فينهمر الماء على صحراء نفوسنا المتعبة.. كان بوصلة لا تخطىء، أو لعلها لا تقترب من المكروه!
* * * * * * *

استشهد القائد علي.. "ثم يأتي من بعد ذلك عام فيه يغاث الناس وفيه يعصرون"!