Sadaonline

التفسير التدبري لآية «وَيَدْعُو الْإِنسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الْإِنسَانُ عَجُولًا»

الإنسان يعيش تحت سيف الزمن، فيستنطق المستقبل قبل أوانه، ويطلب الثمرة قبل نضجها.

وكان الإنسان عجولًا” قراءة زمانية:

العَجَلة هنا ليست خلقًا أخلاقيًا فحسب، بل توصيف لهيئة الوجود الإنساني.
الإنسان يعيش تحت سيف الزمن، فيستنطق المستقبل قبل أوانه، ويطلب الثمرة قبل نضجها.
الآية تُربّي على الانتقال من منطق «الفور» إلى منطق «الأوان».
الأوان هو لحظة موافقة بين استعداد النفس وتقدير الرب.

الآية تكشف بنية الإنسان أمام الزمن والرغبة والجهل بالمآلات.
هي مرآة لاضطراب الإرادة حين تنفصل عن البصيرة.
من قرأها وجوديًا رأى الدعاء حركة كيان لا مجرد ألفاظ.
فاللسان يسأل، والقلب يستعجل، والعقل يقصر عن رؤية العواقب.

 معنى "يدعو" وجوديًا:
الدعاء استدعاء للقدر بقرار من الإرادة.
وحين يختلط ميزان الخير والشر في الوعي، يستدعي الإنسان أقدارًا مؤذية وهو يظنها منفعة.
هذا هو «دعاء الشر دعاءه بالخير».
إنه انحراف في تعريف «الخير» داخل النفس، لا في قاموس اللغة.

 مستويان للقراءة

1. قراءة سلوكية اجتماعية:
يدعو الإنسان على نفسه وأهله في الغضب واليأس، أو يطلب رزقًا يفسده، أو طريقًا يقطعه عن الله.
نصوص القرآن تشهد بذلك
«لَا يَسْأَمُ الْإِنسَانُ مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ» 

«وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ» 10:11


2. قراءة وجودية عميقة:
الآية ترسم علاقة الإنسان بالزمن والمعرفة
“وَكَانَ الْإِنسَانُ عَجُولًا” 
“خُلِقَ الْإِنسَانُ مِنْ عَجَلٍ” 
العَجَلة قيد وجودي يضغط الوعي.
الإنسان ابنُ اللحظة، يريد النتيجة قبل اكتمال السبب.
ومن ضيق الأفق الزماني يولد سوءُ التقدير، فينقلب ميزان الخير والشر داخل النفس.

لماذا يدعو بالشر وهو يظنه خيرًا؟
-جهل بالمآلات
"وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ" 
-ضغط الحاجة وخوف الفقد
"إِنَّ الْإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا" 
-انشداد إلى اللذة العاجلة على حساب الحكمة الباطنة
-انخداع بصورة النفع مع غياب اختبار أثره على الدين والقلب والعاقبة

 صور عملية لـ "دعاء الشر":
-لسان يَلعن النفس أو الولد ساعة غضب.
-طلب رزق واسع يجرّ إلى بغي وقطيعة
«وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا» 
-استعجال رفع ابتلاء قبل أن يتم درسُه.
-إلحاح على بابٍ مغلق لو فُتح أضلّ.
-تمني الموت هربًا من ضيق عارض.
كل ذلك يجري تحت وهم «الخير»، لأنه يوافق هوى عاجلًا أو يَعِدُ بمكسب سريع.

 حكمة المنع وتأخير الإجابة
المنع جواب. والتأخير رحمة. والصرف عناية.
«فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا» 10:12
ربما صرف الله مطلوبًا لأن عاقبته شر، وأعطى بدلَه ما يصلح القلب.
ربما أخر الإجابة حتى تنضج النفس وتستحق العطاء.
بهذا تنتقل الإرادة من الطيش إلى الرشد، ومن اللحظة إلى الأبد.

 ميزان التمييز بين الخير والشر:
الخير ما يصلح الدين والقلب والعاقبة، لا ما يوافق الشهوة العاجلة.
الشر ما يفسد العلاقة بالله ولو بدا منفعة.
المرجع علمُ الله لا ظنّ الإنسان
"وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ… وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ" 

 "وكان الإنسان عجولًا" قراءة زمانية:
العَجَلة هنا ليست خلقًا أخلاقيًا فحسب، بل توصيف لهيئة الوجود الإنساني.
الإنسان يعيش تحت سيف الزمن، فيستنطق المستقبل قبل أوانه، ويطلب الثمرة قبل نضجها.
الآية تُربّي على الانتقال من منطق «الفور» إلى منطق «الأوان».
الأوان هو لحظة موافقة بين استعداد النفس وتقدير الرب.

 الهدي العملي في أدب الدعاء:
-قِسْ مطلوبك على دينك قبل دنياك.
-اربط سؤالَك بـ «إن كان خيرًا لي».
-اطلب كشفَ الحكمة قبل كشف الكربة.
-قدّم التوبة والتنقية على الطلب.
-اترك لله اختيار الصورة والوقت والمقدار.

الزم صيغًا جامعة:
"اللهم إن كان في هذا الأمر خيرٌ لديني ودنياي وآخرتي فقدّره لي ويسّره لي، وإن كان فيه شرّ فاصرفه عني واصرفني عنه، واقْدُرْ لي الخير حيث كان ثم ارضني به".
"ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار" 

 لمعة من مدرسة أهل البيت عليهم السلام:
رواياتهم تُعلّم أن العبد يُستجاب له ما لم يعجل، وأنّ الدعاء مع العمل، ومع معرفة المصالح، ومع الرضا بالقسمة.
التسليم ليس إسقاطًا للإرادة، بل تهذيب لها لتسأل ما يليق بالله وما يليق بك.

 الخلاصة الوجودية:
الآية تفضح وَهْم تعريفنا للخير تحت ضغط العَجَلة.
وتردّنا إلى باب التوحيد العملي
أن تسأل، وتعمل، وتُفوِّض العاقبة إلى العليم.
فإذا استقام هذا الميزان، صار الدعاء طريق معرفة، لا طريق تجربة حظ.
وحينئذٍ لا تدعو بالشر وأنت تظنه خيرًا، بل يَهَبُك الله أن ترى الخير خيرًا فيطلبه قلبُك على بصيرة.