د. علي ضاهر - مونتريال
أنا من المعجبين بأغاني أم كلثوم. قضيت أوقاتاً من عمري وأنا أستمع إلى روائعها. أحب جميع ألوان أغانيها. في الماضي، كنت أميل أكثر إلى أغان معينة. مع مرور الزمن، خف تعلقي ببعضها، وتولدت محبة لأخرى. الآن، وقد تقدمت في السن، أصبحت أكثر تعلقاً بأغانٍ مثل "رباعيات الخيام" و"الأطلال" و"ألف ليلة وليلة". لكنني، في الوقت نفسه، كنت وما زلت مغرماً بأغنيتين لا تفارقانني أبداً. الأولى: "أصبح عندي الآن بندقية". نعم، لا تضحكوا! فأنا بالتأكيد لم أعد صالحاً لاقتناء مثل هذه الأشياء. وأقولها بكل صراحة، صراحة من وصل إلى خريف العمر ولم يعد يكترث كثيراً بما يُقال عنه، إنني لم أكن يوماً، حتى في شبابي، صالحاً أو نافعاً لهذا النوع من المقتنيات! أما الأغنية الثانية، فهي تلك التي تقول فيها الست: "سقط النقاب عن الوجوه الغادرة وحقيقة الشيطان بانت سافرة".
في حياتي، لم أرَ شيطاناً من تلك المذكورة في الكتب الدينية، ولا نقاباً واحداً يسقط عن وجهه. لكنني رأيت نقاباً وراء نقاب يُنزع عن ناس شياطين، وقناعاً وراء قناع يتطاير عن بشر أبالسة، وبرقعاً وراء برقع ينقشع عن أفراد اشد خبثا من الوسواس الخناس! يا الله! كم من نُقُب وأقنعة وحُجُب وبراقعَ وأخمرة رأيتها تتهاوى! لن أدخل هنا في تعداد الأقنعة الأخلاقية التي رأيت سقوطها. فهي أكثر من أن تُعد أو تُحصى. ولن أقوم بجردة لأقنعة الشيم الزائفة والخصال المصطنعة التي شاهدت تهاويها. كما ولن أُعدّد كم من سِتْر رأيته يهوي عن فئة أو جماعة ممن يتمسحون بالوطنية أو الأخلاق أو الدين، ويوهمون البسطاء بأنهم وكلاء الله على الأرض، أو قابضون على مفاتيح الجنة، يوزعونها يمينا وشمالا! لكنني سوف أتوقف عند بعض الأقنعة السياسية التي سقطت. وهنا أيضاً، لا يهمني أن أبيّن أي سياسي سقط القناع عن وجهه، ومن يكون. فهم كثر! يهمني أكثر أن أتوقف عند سقوط أقنعة أكبر وأشمل: مفاهيم وشعارات كانت تُقدَّم باعتبارها من مسلّمات النظام الدولي، وتُستعمل لذرّ الرماد في العيون والضحك على لِحى "المعترين". هي أحياناً كلمة واحدة، وأحياناً جملة. سأورد بعضها. لكن، في هذه العجالة، لن أعلّق، سأترك الأمر للقارئ.
من هذه الكلمات والمفاهيم نذكر: حقوق الإنسان، الرأي العام، الحوكمة الرشيدة، المجتمع الدولي، الديمقراطية والانتقال الديمقراطي، المجتمع المدني، السيادة الوطنية، حق تقرير المصير، الاستقلال، القرار الحر، القانون الدولي، والشرعية الدولية، وغيرها من المفاهيم التي كانت تبدو، ذات يوم، كأنها قوانين منزلة من السماء وفيها الشفاء من كل علل ومشاكل العالم، قبل أن نكتشف أن هذه "المفاهيم ـ الأقنعة" لم تسقط عن وجوه دول في العالم الثالث المستلبة أو التابعة التي كانت تخدع بها شعوبها فحسب، بل تهاوت خصوصاً عن وجوه دول غربية كثيرة كانت ترفعها عالياً في تعاملها مع الدول التي خرجت من تحت نير استعمارها المباشر لتقع في قبضتها غير المباشرة. يعني: الزيُّ تغيّر، أما المسرح فبقي "حطّة إيدك"، على حاله.
هنا أتذكر أبا الفتح الإسكندري، ذلك المحتال الأنيق الذي خلّده بديع الزمان الهمذاني في مقاماته. كان أبو الفتح لا يسرق بالإكراه، بل يدخل المدن والمجالس الفاخرة متنكراً في زيّ عالمٍ دينيّ ورعٍ، أو قاض حكيم، أو شاعر مفوّه، أو تاجر ثريّ، ثم يستخدم فصاحته وبلاغته لإبهار الوجهاء والأثرياء وسلب أموالهم وهم في كامل رضاهم. وهكذا، في صورة أكثر حداثة وأناقة، كانت وما زالت قوىً كبرى تدخل إلى البلدان الأخرى بأقنعة متعددة: مرةً في زيّ عالم ديمقراطيّ ينظّر للحرية، ومرةً في زيِّ جهبذ يحاضر في الحوكمة الرشيدة، ومرةً في زيِ قاضٍ حكيم يفتش في ملفات حقوق الإنسان، ومرةً في زيِ مصلحٍ منزّه يصلح ذات البين بين المتنازعين، ومرةً في زيِّ خطيب مفوّه يحاضر بالسيادة، ومرةً في زيِ شريك نزيه يتحدث عن معادلة "رابح ـ رابح"، ثم لا يترك للضعيف من الجمل إلا أذنه! ففي نهاية المطاف، كانت الفصاحة الباهرة والبلاغة تُستخدم لإبهار العالم الثالث، والحصول على مقدراته.
في المقامة، كان أبو الفتح الإسكندري يحتاج إلى قناعٍ ليحتال على الأغنياء، و"صحتين على قلبه". أما اليوم، فيبدو أن بعض كبار اللاعبين لم يعودوا بحاجة إلى الأقنعة. هم يسرقون على المكشوف، وعلى عينك يا تاجر، من دون عناء الاختباء خلف ستار أو التلطي وراء شعارات براقة. لا يفرّقون بين فقيرٍ وغني، بل تمتد الأيدي إلى كل ما تطاله: ثروات، وأراض، وممرات، ومقدرات شعوب بأكملها.
ويبدو أننا بلغنا مرحلة أصبحت فيها السرقة أكثر صراحة، وأقل احتياجا إلى مساحيق التجميل الدبلوماسية. لم تعد اللغة تقول: "نريد نشر الحرية والديمقراطية والحوكمة الرشيدة"، بل اصبحت المصالح تُطرح بأسمائها ومن دون مواربة: النفط، والغاز، والممرات الاستراتيجية، والأراضي الحيوية، ومناطق النفوذ. لم يعد الحديث يدور حول المبادئ، بل حول الاستملاك وتقاسم الغنائم: من غرينلاند وكندا وبنما، إلى مضيق هرمز وباب المندب، ومن فنزويلا إلى إيران. فحين تسقط الأقنعة، يصبح القاموس أقصر بكثير. ما كان يُسمّى قيماً يصبح مصلحة، وما كان يُسمّى رسالة يصبح غنيمة.
أعلم أن عالمنا لا تحكمه الملائكة، وأن أحداً لا يقدّم خدماته بالمجان. واعلم أن الكثيرين، إن لم يكن الجميع، يرتدون أقنعة. البعض قناعه شفاف والبعض الآخر قناعه سميك. لكن الكوميديا الحقيقية تبدأ حين تقرر شرطة المبادئ والأخلاق العالمية، بعد عقود من الوعظ وإلقاء الدروس، أن ترمي النص جانباً وتتحدث بلسان تاجر جشع في سوق شعبية: "أنا أتحرك لمصلحتي فقط". فالقضية ليست في سقوط القناع فجأة، بل في أن الوجوه أصبحت من البذاءة والقباحة والصفاقة بحيث لم تعد تكلف نفسها عناء ارتدائه! ففي الماضي كان القناع ضرورياً لأن صاحب القوة كان يحتاج إلى إقناع الآخرين. أما اليوم، فميزان القوة اختل إلى درجة لم يعد معها صاحب النفوذ يشعر حتى بالحاجة إلى تبرير أفعاله. عندها فقط، أفهم لماذا تراودني أغنية أم كلثوم، وأُرجح أنها لم تكن تغنيها للماضي حين قالت: "سقط النقاب عن الوجوه الغادرة وحقيقة الشيطان بانت سافرة". لله درّكِ يا كوكب الشرق! لقد كنت تستشرفين ما يجري اليوم!
31 مشاهدة
24 أكتوبر, 2026
32 مشاهدة
24 أكتوبر, 2026
100 مشاهدة
22 أكتوبر, 2026