Sadaonline

قانون "غابي رينو": حقٌّ جديد في المعرفة للوقاية من العنف الزوجي

انبثق هذا القانون من مخاض إنساني أليم؛ إذ تعالت الأصوات المطالبة به عقب الفاجعة التي أودت بحياة الضحية "غابي رينو" في أيلول/سبتمبر 2025

بقلم: حبيبة أديب*

شهدت الجمعية الوطنية في كيبيك، في الحادي عشر من حزيران/يونيو 2026، إقرار إجراء تشريعي جديد حظي في الأوساط العامة بمُسَمَّى "قانون غابي رينو". و يَتَلَخَّصُ الهدف الجوهري لهذا القانون في تمكين كل شخص يستشعر خطراً يهدد سلامته من الحصول على معلومات محددة تتعلق بالماضي العنيف للشريك الحميم؛ بغية تقييم المخاطر على نحو دقيق، واتخاذ قرارات واعية تصون خط الرجعة له ولأطفاله.

الجذور الإنسانية للمشروع والزخم المدني

وقد انبثق هذا القانون من مخاض إنساني أليم؛ إذ تعالت الأصوات المطالبة به عقب الفاجعة التي أودت بحياة الضحية "غابي رينو" في أيلول/سبتمبر 2025، في وقت حُجبت فيه معطيات جمّة حول السجل العنيف لشريكها عن الضحية وذويها والمؤسسات المحيطة بها. وكان للحراك الدؤوب الذي قادته شقيقتها "راشيل رينو"، بـمُؤازرةٍ من جماعات الدفاع عن حقوق المرأة، عظيم الأثر في تحويل هذه القضية إلى رأي عام، وحمل الحكومة على سنِّ هذا التشريع.

أمّا من المنظور القانوني، فقد أُودِع النص تحت المُسَمَّى الرسمي: "قانون إفشاء المعلومات لغرض الحماية من عنف الشريك الحميم". بيد أن الفضاء العام لا يزال ينبض باسم "قانون غابي رينو" تخليداً لذكراها. وطبقاً لما أوردته الصحافة، فقد أوضحت الحكومة أن النزاع القضائي المستمر في هذه القضية حال دون إدراج الاسم الشعبي رسمياً في متن النص التشريعي وقت إيداعه.

آليات التطبيق وسياج السِّرِّيَّةِ الوقائية

فما الذي يتيحه هذا القانون على أرض الواقع؟ يمنح التشريع الجديد كل شخص يساوره القلق من سلوك شريكه الحميم مكنة تقديم طلب استيضاح، إما عبر المنصات الرقمية وإما بالتوجه إلى مراكز الشرطة. وتتولى شرطة كيبك (Sûreté du Québec) دراسة الطلب وفحصه، ومن ثمّ إفشاء البيانات التي تراها وثيقة الصلة بالمنفعة الحمائية للجهة المعنية، وغالباً ما يتم ذلك بمرافقة منظمة مختصة و مُؤَهَّلَةٍ وعليه، فإن الفلسفة التي يقوم عليها القانون لا تَتَوَخَّى إنشاء سجل علني، بل صياغة آلية وقائية تلتزم سياج السِّرِّيَّةِ التامة.

وثمة جانب جوهري في هذا الإصلاح يتمثل في كون المعلومات المسرودة لا تقتصر على الأحكام الجنائية الباتة فحسب؛ إذ خول القانون لرجال الشرطة إفشاء معطيات أخرى يرونها ضرورية لحماية الشخص، كالسوابق غير المسجلة أو الوقائع المرتبطة بالعنف الزوجي. وبعبارة أخرى، يقرّ المشرّع بأن تقييم المخاطر في مضمار السلامة الشخصية لا ينبغي أن يظل رهيناً بحكم قضائي مبرم.

الأهليّة القانونيّة ومحاذير الفضاء الرقّمي

وتشير التقارير الصحفية إلى أن القانون ينزع نحو تَبَنِّي مقاربة أكثر مرونة وقدرة على الاستشراف الوقائي. وحسبما أفادت به مؤسسة "راديو كندا" وصحيفة "لو دوفوار"، فإن كل شخص يبلغ من العمر أربعة عشر عاماً فأكثر يملك أهلية التقدم بطلب الاستعلام بنفسه، كما يسوغ له تفويض جهة أخرى للقيام بذلك نيابة عنه، كالاختصاصيين الاجتماعيين أو منظمات الدعم. وعلاوة على ذلك، يحيط القانون هذه الإجراءات والمعلومات المتبادلة ب سِرِّيّة مطلقة؛ بل إن صحيفة "لو دوفوار" ألمحت إلى أن نشر أي تحذيرات علنية من هذا القبيل عبر منصات التواصل الاجتماعي قد يعرض فاعله للمساءلة وفرض غرامات مالية.

 بيئات الهجرة وتحديات "الرضا الواعي"

إن هذا القانون يستدعي وقفة تأمل خاصة من لدن جاليتنا العربية الفرنكوفونية في مونتريال؛ فغالباً ما تتشابك قضايا العنف الزوجي في بيئات الهجرة وتتعقد بداعي الخوف، أو التبعية الاقتصادية، أو عوائق اللغة، أو الوضع القانوني للمهاجر، فضلاً عن خشية الأحكام الاجتماعية الجائرة. والمكسب هنا يجسد الإقرار الحتمي بأن الفرد يحتاج، بَدْءاً ذي بدء، إلى معلومات موثوقة ليمارس إرادته الواعية ويحمي نفسه وينأى بها قبل فوات الأوان. ويتّسق هذا الطرح اتِّسَاقاً وثيقاً مع المبدأ القانوني الراسخ: لا يمكن صياغة خيار حر وحقيقي طالما ظل شطر جوهري من المخاطر محجوباً وخفياً. 

الواقعية اللوجستية وتحديات الميدان

ومع ذلك، يملي علينا المنطق تحري الواقعية؛ فهذا القانون لن يجتث المعضلة من جذورها بمجرد صدوره. فقد أبرزت صحيفة "لا بريس" أن تعديلاً تشريعياً حدد سقفاً زمنياً أقصاه ثمانية عشر شهراً لتدشين المنظومة الجديدة الخاصة بمعالجة الطلبات. وأوضح المقال عينه أن الأمر يتطلب استصدار لوائح تنفيذية، وتوظيف كوادر بشرية، وتدريب الطواقم المعنية. وأردفت صحيفة "لو دوفوار" بأن الحكومة رصدت ميزانية تبلغ 27.6 مليون دولار على مدار خمس سنوات، متوقعة استقبال نحو عشرة آلاف طلب سنوياً. إننا، إذن، أمام إصلاح تشريعي وازن، بيد أن نجاعته ستظل مرتهنة بآليات تطبيقه على أرض الواقع.

النماذج الدوليّة والامتداد الكندي

وجدير بالذكر أن هذا القانون يستلهم نموذجاً دوليّاً معروفاً، وهو "قانون كلير" في إنجلترا، والذي سُنَّ إثر مقتل "كلير وود" على يد شريك سابق كان يحمل سجلاً حافلاً بالعنف ضد النساء. وتذكر المصادر التي جرى الاطلاع عليها أن مقاطعات كندية أخرى، مثل ساسكاتشوان ومانيتوبا، قد بادرت سلفاً إلى اعتماد تدابير مماثلة، مما يجعل كيبيك تنخرط في حراك وقائي أوسع يرتكز على الحقّ المقيد في الوصول إلى المعلومة.

الأبعاد الرَّمْزِيَّة وحقّ الأمان الأصيل

وفي تقديرنا، لا تقلّ القيمة الرّمزية لهذا القانون شأناً عن أبعاده الإجرائية؛ إذ يبرق برسالة وضّاءة مفادها: إن ذود الخطر عن ضحايا العنف الزوجي لا يبدأ عقب وقوع الاعتداء أو بعد إسدال الستار على الفاجعة، بل يضرب بجذوره قبل ذلك بكثير، في اللحظة التي يسعى فيها الإنسان لاستبانة المخاطر المحقّة التي تَتَهَدَّدُهُ. وإنّ شَرْعَنَةَ الوصول إلى معلومات بعينها، ضمن إطار سِرِّيّ وممنهج، يمثّل اعترافاً صريحاً بأن الوقاية ركيزة لا تنفصم عن الحق الأصيل في الأمان. 

خلاصة القول، يضع قانون "غابي رينو" لبنة جديدة في جدار الوقاية القانونية والاجتماعية في كيبيك. وهو إذ يفعل ذلك، لا يشكل بديلاً عن التدخل الأمني، ولا عن دور مراكز الإيواء، ولا عن أروقة المحاكم، بل يرفد شبكة الأمان الاجتماعي بأداة حاسمة: حَقٌّ الفرد المهدد بالخطر في أن يكون على بينة من أمره. ولعله يمَثِّل، لعديد من النساء وللفئات الهشة المعرضة لعنف الشريك الحميم، الحد الفاصل بين جهل مطبق بالخطر، وقرار حازم يُتّخذ في إبَّانِهِ.

أفق الشمولية: قانون محايد بمسؤولية مشتركة

من الأهمية بمكان الإشارة إلى أن هذا القانون صِيغ بنص تشريعي محايد جنسانيّاً؛ فهو يكفل هذا الحقّ لكل شخص، رجلاً كان أم امرأة، يستشعر خطراً من قِبل شريكه الحميم. بيد أن الزخم السياسي والإعلامي الذي رافقه ركّز أساساً على حماية النساء، نظراً لكونهنّ يشكلن إحصائياً الأغلبية الساحقة من ضحايا العنف الزوجي الحاد.

حبيبة أديب، كاتبة وباحثة قانونية

المصادر:

 1. كيبيك تودع مشروع "قانون غابي رينو" لمكافحة العنف الزوجي (راديو كندا)

 2. كيبيك تطرح مشروع "قانون غابي رينو" (لو دوفوار)

 3. "قانون غابي رينو" في طريقه للإقرار (لا بريس)

 4. الجمعية الوطنية تقر قانون "غابي رينو" (راديو كندا / وكالة الصحافة الكندية)

---------- Forwarded message ---------