Sadaonline

الاقتصاد الكندي بين صديقي وأصدقاء زيلنسكي

رئيس الوزراء الفيدرالي أضاف حملًا جديدًا على عاتق المواطن عبر ضخ جزء من الموارد في شريان الحرب الأوكرانية

د. علي ضاهر

بمناسبة اعلان رئيس الوزراء الكندي مارك كارني أن بلاده ستقدم لأوكرانيا مساعدات اقتصادية إضافية بحجم 2.5 مليار دولار، يمكن القول ان كندا ليست طائرًا يغرد خارج السرب. هي، كبقية دول الغرب، عالقة في شبكة من الأزمات الاقتصادية المتراكمة: ديون تتضخم عامًا بعد عام وتنتقل كإرث ثقيل من جيل إلى جيل؛ جهاز إداري بيروقراطي يبتلع أموالًا وفيرة ويزداد تعقيدًا مع كل دورة انتخابية؛ وإدمان سياسي على نمط عيش يتجاوز الإمكانيات، مع تقديمات اجتماعية تتوسع بفعل التضخم سنة بعد أخرى، وبسبب خوف الحكومات المتعاقبة من غضب الناخبين. كلها مشاكل يدرك السياسيون خطورتها، لكن لا أحد يجرؤ على لمسها.
والحكومة الكندية، بدل أن تعالج هذه المشكلات من جذورها، اختارت وصفة سحرية: المزيد من البنادق والدبابات والطائرات، وكأن الاقتصاد يُعالَج بالرصاص والقذائف! لذا نجدها تُضخّ الأموال بسخاء في الصناعات الدفاعية، وترتفع الميزانيات المخصصة لها إلى درجة دفعت رؤساء حكومات المقاطعات إلى الاصطفاف أمام أبواب أوتاوا كما يصطف الأطفال أمام متجر للحلوى، كلٌّ يريد حصته من "كعكة العسكرة". كل هذا فيما المواطن الكندي، الذي يحتاج إلى استثمارات في السكن والصحة والتعليم، والطعام الذي ترتفع أسعاره، يجد نفسه ممولًا لطائرات حربية تحلّق فوق سحاب العجز المالي، وغواصات حديثة تمخر بحار الديون، التي تصل إلى 2.92 تريليون دولار حسب بعض التقديرات.
وما زاد الطين بلّة أن رئيس الوزراء الفيدرالي أضاف حملًا جديدًا على عاتق المواطن عبر ضخ جزء من الموارد في شريان الحرب الأوكرانية التي تحولت إلى مقبرة مفتوحة وبالوعة او ثقب اسود يبتلع كل أموال الغرب، لدرجة أن كارني، الاقتصادي العظيم، فتح لها حسابًا بلا سقف يغرف منه الفاسدون الأوكرانيون دون حسيب أو رقيب، وأُمِّن لها خط دعم سياسي وعسكري واقتصادي لا محدود. ومن عبقرية المسؤولين الكنديين في صرف الأموال على أوكرانيا، تعيين مبعوث خاص لمتابعة المساعدات! فاختار رئيس الوزراء الوزيرة السابقة كريستا فريلاند لتقديم المشورة بشأن إعادة إعمار أوكرانيا وتفعيل الدور الريادي لكندا داخل الائتلاف الدولي الداعم لحكومة زيلنسكي. وفريلاند هذه معروفة بحماستها الفائقة للدفاع عن كييف، وهمتها العالية في تصدير أموال الكنديين اليها ولا غرابة في ذلك فهي من أصول أوكرانية.
وهكذا، فمع ارتفاع التحويلات والمساعدات إلى كييف، ازدادت حيرة المواطن الكندي الذي بدأ يشعر أن جيبه هو الذي يدفع فاتورة الفاسدين الأوكرانيين المتحلّقين حول زيلنسكي كما يتحلق قطيع الذئاب حول الفريسة. لدرجة أن أحد المتقاعدين قال لي بنبرة تجمع السخرية بالوجع: "تخيّل، اقتطعوا من معاشي التقاعدي دولارًا وخمسين سنتًا شهريا ليضيفوه إلى ما يُرسل من مليارات لزيلنسكي ومن حوله!" ثم أردف ساخرًا: "حتى قهوتي الصباحية تأثرت بسياسة كندا الخارجية!" وبعد تنهيدة طويلة تابع: "لقد صار الاقتصاد الكندي، المحتاج إلى دفعات في الاستثمارات الداخلية، معلّقًا بين مزاج وطموحات زيلنسكي، وشهية مستشاريه، وجشع بعض الوسطاء الذين لا يشبعون."
أما المواطن الكندي البسيط، الذي ينتظر حلولًا لمشاكله اليومية، فما عليه إلا التحسّر وهو ينظر إلى حكومته التي لا تنفكّ عن استخدام أموال الضرائب لتمويل مغامرات عالمية كبرى لا تعود عليه بأي فائدة. لذا تراه يهمس في نفسه: "لو كانت الطائرات الحربية والغواصات تصلح كحلّ لأزمة السكن، لكنت نمت الليلة في قمرة قيادة إف-35 أو في صالون غواصة فيكتوريا بدل شقة ضيقة في ضواحي أحياء كوت دي نيج في مونتريال!"